يبدو أن إدارة الرئيس أوباما رفعت الراية البيضاء لنتنياهو، في ملف الاستيطان. إصرارها المزعوم على وجوب وقفه، تراجع أمام إصرار زعيم الليكود على مواصلته. إبلاغ الرئيس الفلسطيني بعدم توصل المبعوث ميتشل إلى اتفاق مع إسرائيل حول هذا الموضوع، ينطق بهذه النتيجة.
يؤكد ذلك، ما ورد على لسان مسؤولين ودبلوماسيين أميركيين من تعليلات وتدوير زوايا؛ في هذا الخصوص. وبذلك فالرسالة واضحة وبليغة: إدارة الرئيس أوباما لا تنوي ولا ترغب في خوض مواجهة مع إسرائيل؛ ولو حول مطلب بديهي كوقف التمدّد الاستيطاني.
في الأشهر الأولى من وصولها، أوحى خطابها بأنها عازمة على تحقيق اختراق في عملية السلام. وتحدثت بإلحاح عن مبدأ الدولتين وضرورة وقف إسرائيل لتوسعها الاستيطاني. بدت وكأنها جازمة، في الموضوع. تعيينها للمبعوث الخاص، جورج ميتشل، أضفى جدّية على الخطاب. أو هكذا بدا.
تصريحات المبعوث والوزيرة كلينتون، آنذاك، عزّزت هذا الانطباع. لكن سرعان ما بدأت علامات التهاون تتوالى إزاء التعجيزات والتحايلات، بل الاستفزازات، التي لم يتوقف نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان عن ضخّها. كان من الواضح أن حكومة الكواسر الإسرائيلية، ليست في وارد التجاوب مع أي مطلب، من شأنه أن يؤدي إلى الدخول في مفاوضات هادفة. ولا حتى الجلوس على الطاولة، مع الجانب الفلسطيني.
وتردّد أن إدارة الرئيس أوباما أبدت امتعاضها من مشاكسة نتنياهو؛ وأن العلاقات سادها بعض التوتر، خلافاً للمألوف. حكومة هذا الأخير رفعت من وتيرة التحدّي أكثر، بعد لقاء نتنياهو مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض. مع ذلك، بقيت واشنطن تعمل وتتحرك، وفق منطق الاحتواء والاسترضاء. تجلّى ذلك في خفض الإدارة لنبرة مطالباتها، بشأن المستوطنات؛ كما في قلّة زيارات ميتشل للمنطقة، فيما واصل التوسع الاستيطاني مجراه وأكثر.
على هذه الخلفية، كان من المتوقع أن يرفض نتنياهو وقف التوسع الاستيطاني؛ وأن يتبلغ الجانب الفلسطيني ذلك وبصيغة تفيد بأن واشنطن أوباما ما عادت على إصرارها بخصوص وقف الاستيطان، كشرط مسبق لبدء المفاوضات. مسؤول أميركي، نسب إليه قوله بأن المفاوضات يمكن أن تستأنف من دون التجميد «الكامل» للاستيطان. المهم، كما قال، أن تكون حدود التجميد «مقبولة» من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
من البداية كانت إدارة أوباما رخوة في توكيدها وحسمها، بشأن وقف الاستيطان. ومفاتحتها الصريحة لحكومة نتنياهو، في هذا الخصوص بقيت بلا أسنان، الثعلب الإسرائيلي شمّ رائحة الرخاوة. وعندما تتراجع واشنطن بهذه الصورة المفضوحة ويكون الوضع الفلسطيني على ما هو عليه من تشظي وتفكك؛ فمن الطبيعي أن تنفتح شهية إسرائيل على المزيد من التمادي في العدوان.