إذا كان الفشل نصيب الإرسالية الأميركية التبشيرية في منطقة الخليج العربي في تنصير المسلمين، فإنها لا شك قد نجحت نجاحاً باهراً في تقديم خدمات طبية كانت المنطقة وشعبها في أمس الحاجة إليها. فقد ابتدأ العمل التبشيري في المنطقة في العام 1890 في البحرين ليتلوه افتتاح مستشفى بها بعد اثنتي عشرة سنة، وفي عمان والكويت، انطلق العمل التبشيري مقروناً بالعمل الطبي بإنشاء مستشفى في مسقط في العام 1899وتبعه آخر في مطرح بعد عقد كامل، ثم في الكويت منذ العام 1913.
وتحكي الدكتورة ماري برونز أليسون، شطراً من تاريخ التبشير في المنطقة، والأهم منه أنها تسرد جانباً من حياتها الاجتماعية وتطور نظرة شعوبها إلى الطب الحديث وتقبلهم المتدرج له.
فقد عاشت في منطقة الخليج العربي أربعة عقود تقريباً، لتطلع فيها على أحوال أهلها وتشاهد بأم عينها التطور الذي حل بها، منذ أن كانت منطقة تقليدية يعيش من على أرضها حياة بدائية إلى مجتمعات متقدمة تتوفر فيها كل سبل الراحة وعلى رأسها الخدمات الطبية الحديثة. كانت محطة الطبيبة والمبشرة ماري أليسون الأولى في الكويت، حيث وصلتها في خريف عام 1934 لتقضي بها ثلاثة عقود كاملة، ثم لترحل إلى البحرين في 1964، فمسقط مع بواكير النهضة فيها في العام 1971، ثم لتترك منطقة الخليج العربي بعد أربعة أعوام قاصدة مسقط رأسها في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن استوطنت المنطقة أكثر من أربعين عاماً.
وشهدت السنة التي حلت بها ماري أليسون على الكويت أمطاراً غزيرة أدت إلى هدم كثير من البيوت، وهي التي عرفت في الذاكرة الشعبية ب«سنة الهدامة». وتبعاً لذلك فقد أطلق حاكم الكويت آنئذ الشيخ أحمد الجابر لقب «خاتون وسمية» على الطبية ماري، لأن مقدمها كان خيراً على الكويت كالوسم الذي هو بداية لفصل الأمطار في الجزيرة العربية.
وكانت فكرة الطب الحديث قد أصبحت شائعة في الأوساط الشعبية حينما حلت ماري في الكويت ثم في البحرين وعمان في وقت لاحق. أما أغلب الحالات المرضية التي قابلتها في الأيام الأولى والصعوبات التي كانت تعترضها لقلة أجهزة التشخيص أو لبعض الآراء البالية التي كان يحملها الكثيرون فتعبر عنها قائلة:
«كانت نوعية المشكلات وعددها تشمل كل ما جاء في كتب الطب، فهناك آلام في الركب والظهر، وإسهال، وآلام الأسنان، والتهابات الجلد، والكحة التي كانت غالباً بسبب السل المنتشر، ومصابون رضع بنقص التغذية، وجميع مشكلات الحمل والعقم، وسرعة نبضات القلب (التي لم أعرف لها سبباً).
وتلاحظ الدكتورة ماري أنه «في الأيام الأولى لم نكن نشاهد مرضى مصابين بالزائدة الدودية أو الدفتيريا، ولكن عندما بدأت الكويت تستورد أغذية من الغرب، تفشت هذه الأمراض».!! ثم تضيف: «كان التشخيص صعباً، فلم يكن عندنا جهاز أشعة أو مختبر، وعندما كنت أريد أن أقوم بفحص جسم المريض، كان بعضهم يرفض قائلاً: إن الطبيب لابد أن يعرف كل شيء فلماذا العناء؟!».
وكانت خدمات الإرسالية الأميركية الطبية واضحة المعالم وسدت فراغاً هائلاً لأحد ضرورات الحياة في وقت كانت تفتقر فيه دول المنطقة للإمكانيات المادية، فمتوسط ما كانت تستقبله من سكان الكويت في العام 1937 على سبيل المثال هو 122 مريضاً في اليوم، وكان إجمالي مرضى العيادات (رجال) في البحرين في العام 1969 هو 30094 مريضاً إضافة إلى 1683 مريضاً مقيمين في المستشفى. ولو أخذنا إجمالي المرضى في العيادة الخارجية لمستشفى مطرح في عمان في العام 1971 لألفيناه 111330 مريضاً. لذلك، فقد حظيت خدمات الإرسالية الطبية بكل تقدير من السلطات في المنطقة.
ومن أطرف ما ترويه الدكتورة ماري هو تصورات الكويتيين الأولى لبلدها أميركا، ففي أولى زياراتها للعائلات الميسورة سألتها إحدى النساء من أين أتيت؟ تقول ماري: وعندما قلت لها من أميركا سألتني فيما إذ كانت أميركا هي إحدى مدن الصحراء وإذا كانت بجمال الكويت.!! وهي تشير إلى ذاك المدرس الذي طرد من المدرسة ومنع من التدريس لأنه قال بكروية الأرض، تلك الفكرة التي لم يألفها المجتمع آنئذ، ورفض الكويتيين لإحصاء كان مزمعاً أن يجري في العام 1938، إذ كانوا «لا يريدون إعطاء الحق لأي شخص بأن يأتي لمنازلهم ويسأل عن نسائهم وأبنائهم».!! بالطبع خشية العار من ذكر عدد النساء وأسمائهن، والحسد من عدد ما رزق به الشخص من أولاد!!.
ولا شك أن أحلى ما في مذكراتها ذلك المقطع الذي تشير فيه إلى تقييم أعمال الإرسالية من أطراف مختلفة، ومن بينها أبناء جلدتها ودينها، وهو مقطع كلاسيكي يصلح لأن يكون دليلاً على بطلان نظرية المؤامرة التي ابتلينا بها. تكتب الدكتور ماري أليسون ما يلي:
«كان الطاقم الهندي معادياً لأميركيتنا، وبالنسبة للطاقم الإيراني (فراشين وممرضين) كنا نحن الأسياد وهم الخدم، واعتبر المرضى الأطباء سحرة يستطيعون علاج كل شيء إذا أرادوا. لقد اعتقد المسيحيون العرب (تقصد العاملين معها في المستشفى) اننا قدمنا إلى هنا لنجمع المال، وأعتقد العرب أننا ممولون من الحكومة الأميركية لنهدم دينهم وحضارتهم، ولم يستطع البريطانيون والدبلوماسيون الأميركيون وموظفو شركة النفط أن يفهموا دوافعنا الدينية قط»!!
كاتب كويتي
