أبرزت قضية وقف المملكة العربية السعودية التعامل ببطاقة الهوية الرسمية الإماراتية لرعايا دولة الإمارات الراغبين السفر عبر الحدود السعودية مسألة الخلافات العالقة بين دول الخليج العربية، وأوضحت هذه القضية بشكل جلي على أن وراء كل ما تحقق من إنجازات خليجية لدول المنطقة عبر مجلس التعاون لدول الخليج العربية وعبر العلاقات الثنائية مازال وراءها قضايا عالقة ويمكن لهذه القضايا أن تنسف الكثير من ما تحقق إلى الآن من إنجازات خليجية.

ولعل السفر ببطاقة الهوية بين دول مجلس التعاون يعتبر بحد ذاته إنجازاً خليجياً يكتب لدول المنطقة، إلا أن التوقف المفاجئ عن الالتزام به من قبل أكبر دولة خليجية يعتبر ضربة موجعة للعمل الخليجي المشترك وللعلاقة القائمة بين الطرفين الخليجيين الشقيقين.

وأنا هنا لا أقول انه ليس من حق السعودية أن ترى ما يمكن أن يعتبر مصلحتها على المدى البعيد ولكن أقول ان ما تحقق من إنجازات خليجية لاسيما على مستوى التنقل ببطاقة الهوية كان يمكن أن يحل بين البلدين بروح من التعاون وبعيداً عن التوجه الأحادي.

فإذا كانت للمملكة تحفظات حول شكل البطاقة الرسمية الإماراتية ـ التي قد وافقت عليها سابقاً ـ فإنه كان بالإمكان لمسؤولي البلدين معالجة الأمر بطريقة ودية وبعيدة عن المفاجأة، وأن تكون المعالجة بشكل رسمي ومباشر ومن دون خجل بحيث يضع الجميع أوراقه على طاولة التحاور في شكل ودي وأخوي ويتم حل تلك الخلافات، فمسؤولو البلدين وقيادتهما العليا على تواصل دائم ويمكن لهم عرض الموضوع بشكل أكثر إيجابية عن ما حدث بشكل فردي ومفاجئ من الطرف السعودي.

ما نقوله هنا هو نابع من مجموعة من الاعتبارات الناتجة عن التداعيات السلبية لمثل هذا التطور التي نرى بأنه كان من الأجدر تجنب حدوثها لو حدث التواصل الأخوي بين الطرفين.

هذه التداعيات السلبية يمكن إجمالها في نقطتين أساسيتين أولهما نقطة الربط بين الإجراء الأحادي الذي اتخذته السلطات السعودية وبين الانسحاب الإماراتي من الاتحاد النقدي الخليجي، حيث بدأت فرضية الثأر من الانسحاب الإماراتي من الاتحاد النقدي الخليجي بعد أن تم اختيار الرياض مقراً للبنك المركزي الخليجي بدلاً من دبي تبرز على الساحة لدى الكثيرين وكأن ما حدث هو محاولة الثأر من الخطوة الإماراتية بمعاقبتها برفض التعامل مع رعاياها ممن يحملون بطاقة هوية بلدهم الرسمية.

وبغض النظر عن النوايا السعودية في ذلك إلا أن تحركها الأحادي والمفاجئ يعطي انطباع الرغبة في الثأر أو معاقبة الطرف الآخر أمراً غير مستبعد حيث ان السلطات السعودية كانت تتعامل مع بطاقة الهوية الإماراتية قبل الانسحاب الإماراتي من الاتحاد النقدي الخليجي وبالتالي فإن التوقف عن التعامل معها بعد الانسحاب الإماراتي يجعل فرضية الربط مبررة إلى درجة كبيرة؛ وهذا الأمر كان من الممكن تجنبه لو تم التعامل مع الموضوع بعقلانية أكبر.

النقطة الثانية هي أن الخطوة الأحادية من الطرف السعودي قوبلت باستغلال من قبل بعض وسائل الإعلام ـ غير السعودية وغير الإماراتية ـ التي دائماً ما تبحث لنفسها عن كل ما يمكن أن ينهش في مكانة السعودية ويعرقل العمل الخليجي المشترك ويحد من استمرار التعاون الخليجي الثنائي بين دول المنطقة.

كان من الأجدر تجنب إعطاء فرص لمثل هذه الجهات إذا ما تم تداول الخلاف ودياً بين مسؤولي وقيادات البلدين. فالبعض من تلك الوسائل الإعلامية اعتبر أن الخطوة السعودية هي عملية فرض هيمنة سعودية على دول مجلس التعاون الأخرى التي قد تتخذ ما لا يراه السعوديون متماشياً مع خطهم ونهجهم العام؛ وأخرى رأت أن هذا العمل ليس إلا خطاً سعودياً ضد جميع الدول العربية التي لا تتعاون معها. تلك الوسائل بالطبع تصطاد في الماء العكر وتحاول أن تحول ما يمكن أن يعتبر أمراً بسيطاً إلى أمر كبير أي أن يجعلوا كما يقال «من الحبة قبة» من أجل تحقيق أهداف مرتبطة بأجندات دولهم التابعين لها.

هذا التطور يبين بأن هناك العديد من الخلافات مازالت عالقة في علاقة دول الخليج العربية رغم كل ما نراه من حفاوة في العلاقة الرسمية وغير الرسمية بين الأطراف. وهو في الحقيقة أمر طبيعي وليس أمرا مثيرا للخوف ولكن بقاء تلك الخلافات عالقة من دون تحرك فعلي لمناقشتها ومواجهتها بشكل رسمي وفعال هو ما يثير الخوف. فالخلاف الأخير بين السعودية والإمارات ليس خلافاً حول بطاقة هوية قدر ما هو خلاف أكبر من ذلك ومرتبط بالحدود القائمة بين البلدين.

إذا كانت السعودية لها تحفظاتها على خارطة دولة الإمارات الموجودة على بطاقة الهوية فإن مثل هذا الأمر يمكن أن يحل ودياً عبر القنوات الرسمية بين الطرفين بحيث يتم التوصل إلى صياغة حل تسوية مرضية للطرفين بعيداً عن التوجه الأحادي الذي لا يأتي إلا بالضرر في علاقات الطرفين ولا يعكس رغبة فعلية في تفعيل العمل الخليجي المشترك.

بالأمس انسحبت الإمارات ـ ثاني أكبر اقتصاد خليجي ـ من منظومة الاتحاد النقدي الخليجي لكن ذلك الانسحاب لم ينظر إليه على أنه سيكون نهائياً وأن الإمارات لن تعود إلى الحاضنة النقدية الخليجية وهي رائدة العمل التكاملي الخليجي، بل بالعكس فإن النظرة الداخلية في الإمارات كانت قائمة على أن العودة قد تكون حاضرة في المستقبل، لكن خطوات أحادية من مثل هذه التي تم اتخاذها من قبل السلطات السعودية قد تعرقل حتى فرص الإمارات في العودة إلى الاتحاد النقدي الخليجي بطريقتها الحالية.

نحن نقول بأن الخلاف في وجهات النظر بين حدود الدولتين ما زال قائما لكن حل ذلك لا يمكن أن يتم من دون الجلوس المشترك والعمل على تقريب وجهات النظر بين الطرفين بعيداً عن الخطوات الفردية والمفاجئة التي لا تخدم مصلحة التعاون المشترك بين الطرفين الشقيقين.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com