يبدو أن الأمة العربية موعودة بتجدد الخلافات بين أبنائها، بغض النظر عن الواقع ومتطلبات التعامل معه، والمصالح التي تحتاج إلى السير في دروب ملائمة لتحقيقها، وبدلا من ذلك تتجدد الخلافات والمنازعات وحتى المواجهات لتكون زادا يوميا متجددا ينشغل بها المواطن العربى على امتداد المنطقة، وتتوه أمامها المصالح الحقيقية وذلك من أجل مصالح وحسابات تثير التساؤلات وعلامات الاستفهام حول جدواها والهدف منها، خاصة في مثل الظروف الراهنة التي تعيشها المنطقة.
ومع الوضع في الاعتبار الكثير من الخلافات والمنازعات التي تستنزف القوى والجهد، والتي ينشغل معها الجميع عما ينبغي التركيز عليه، فإنه في الوقت الذي تطرح فيه الفصائل الفلسطينية كل يوم تقريبا خلافات جديدة فيما بينها، وصلت إلى حد نزع بعضها الشرعية عن مؤسسات فلسطينية ظهرت حتى قبل مولد تلك الفصائل ذاتها، فإن ما حدث من جدل بين العراق وسوريا خلال الأيام الأخيرة بشأن تفجيرات بغداد الدامية، يثير في الواقع الدهشة والتساؤل حول الهدف من حدوث ذلك، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج، ليس فقط لان استقرار وأمن العراق هدف عربى أكدت دمشق مرارا حرصها عليه، ولكن أيضا لأن العلاقات السورية العراقية تشكل بالضرورة ركنا أساسيا لبناء الاستقرار في العراق والمشرق العربى والمنطقة من حوله ايضا.
ومع التأكيد على الاحترام الكامل لكل ما يتصل بالشأن الداخلي لكل من العراق وسوريا، وهو موقف مبدئي عماني راسخ ودائم في التعامل مع كل الأشقاء والاصدقاء في كل الأوقات وتحت كل الظروف، فإنه من المؤكد كذلك أن بناء ودعم العلاقات السورية العراقية، وتجاوز الخلافات بين العاصمتين العربيتين المهمتين عربيا واقليميا، يعد على جانب كبير من الأهمية والتأثير في الأوضاع العربية المنشودة بوجه عام، وبالنسبة للمصالح العراقية والسورية بوجه خاص. ولذلك كان الترحيب بعودة العلاقات وتبادل السفراء والسير معا – من جانب دمشق وبغداد - لبناء مرحلة جديدة من العلاقات القائمة على الثقة المتبادلة فيما بينهما.
وإذا كانت تفجيرات بغداد الدامية في الأسبوع قبل الماضي لاتزال موضع تحقيق من جانب السلطات العراقية، ومع الوضع في الاعتبار طبيعة الظروف الاقليمية الراهنة وحرص أطراف مختلفة على الحد من التجاذب العراقي السوري لأسباب عديدة، فإن ما أعلنته دمشق من تأكيد على حرصها على استقرار العراق، وهو ما أكده فيصل مقداد نائب وزير الخارجية السوري، وترحيب دمشق بارسال وفد عراقي إلى سوريا لمناقشة المسألة، من شأنها في الواقع أن تدعو إلى التريث، أوعلى الأقل عدم السير نحو تصعيد الخلافات بين الدولتين الشقيقتين، حرصا على علاقات يأمل الجميع أن تظل طيبة وأن تزداد قوة ومتانة لصالح الدولتين والشعبين الشقيقين في العراق وسوريا والمنطقة من حولهما أيضا.
من جانب آخر فإنه من المهم والضروري أن يتجه كل الاشقاء وعلى امتداد المنطقة – وليس فقط دمشق وبغداد – إلى العمل والسعي لحل أية خلافات عبر الحوار الايجابي ومن خلال إتاحة الفرصة للجهود والنوايا الطيبة لأن تشق قناة للالتقاء وبحث وتناول أية خلافات بغرض حلها وتجاوزها، خاصة وأن ما يحيط بالمنطقة من تحديات ظاهرة ومستترة، بات يشكل ضرورة لتجاوز واحتواء الخلافات والمنازعات لصالح كل الاشقاء وللمنطقة ككل أيضا.
