في انتظار مبادرة الرئيس الأميركي أوباما المتوقع إعلانها بعد بضعة أسابيع، تعيش المنطقة حالة من الترقب، وما بين استهلاك الوقت واستثماره يبدو التباين واضحاً بين حالنا في العالم العربي وحال الآخرين!

العدو الصهيوني الذي يفترض انه يعيش تحت ضغط العالم وحصاره من أجل دفعه إلى قبول تسوية سياسية عادلة للصراع مع الفلسطينيين يفعل المستحيل لكي تكون فترة انتظار مبادرة الرئيس الأميركي هي نفسها فترة فرض الأمر الواقع الذي تريده حكومة اليمين الإسرائيلي، حتى يكون الخيار في النهاية أمام العرب والعالم هو بين استمرار الأوضاع الراهنة أو قبول التسوية بشروط إسرائيل لتكون تصفية كاملة للقضية الفلسطينية.

وهكذا.. بينما يتم حشد اللوبي الصهيوني في أميركا لمواجهة أي بنود ترفضها إسرائيل في المبادرة المرتقبة، يجري العمل على قدم وساق لاستكمال تهويد القدس، وتصدر القوانين للسماح بسرقة أراضي الفلسطينيين داخل حدود 67، ويستمر بناء المستوطنات، وتوضع كل السيناريوهات للتعامل مع كافة الاحتمالات بما فيها الصدام مع البيت الأبيض في أسوأ الحالات وإن كان هذا مستبعداً.

على الجانب الآخر تبدو الصورة وكان العرب قد ارتضوا الانتظار تاركين الأمر كله لأميركا ولإدارة الرئيس أوباما، دون إدراك ان الولايات المتحدة إذا كانت قد غيرت سياستها في المنطقة، فإن ذلك يأتي من اعتبار واحد أساسي هو «المصلحة الأميركية« .

ولكن هذا لا يعني أنها تنحاز للحق العربي أو أنها تخلت عن تحالفها الأساسي مع إسرائيل، بل إن الإدارة الأميركية ترى أن التسوية السياسية التي تسعى إليها هي قبل كل شيء مصلحة إسرائيلية، حتى ولو كانت حكومة نتانياهو ؟ بكل تعصبها ويمينيتها ؟ لا ترى ذلك.

وإذا كان الهدف الأساسي (وهو الوصول لتسوية سياسية للقضية الفلسطينية)قد أصبح مصلحة أميركية في هذا التوقيت ومع هذه الإدارة، فإن شروط هذه التسوية وتفاصليها تفرضها موازين القوى بين أطراف النزاع، وتفرضها الحقائق على الأرض التي ينجح كل فريق في تحقيقها. ونظرة واحدة على مشروعات التسوية التي طرحت على مدي سنوات الصراع تبين كيف كانت هذه المشروعات تعكس موازين القوى التي كانت تختل يوماً بعد آخر لصالح العدو الإسرائيلي.

وبالطبع.. فإن موازين القوى لا تتغير بين يوم وليلة، ولكننا كنا ندرك أن تحويل التغيير الذي حدث في السياسة الأميركية إلى واقع حقيقي هو معركة بالغة الأهمية، وأن عدونا سوف يستخدم كل أوراقه فيها، وأن علينا ؟

في المقابل - أن ندخل المعركة في أفضل وضع ممكن حتى نحصل على أفضل شروط للتسوية، مستغلين الفرصة النادرة التي تتوافق فيها القوى الكبرى على ضرورة التسوية لاستقرار المنطقة، والتي تعاني فيها إسرائيل من حصار العالم لها، والتي تقدم حكومتها لنا خدمة جليلة بإظهار الصورة الحقيقية لهذا الكيان الصهيوني كتجسيد للنازية والفاشية في أسوأ صورهما.

ولا شك أن مجيء أوباما وإعلانه عن مبادرته المرتقبة وسياساته الجديدة في المنطقة، قد قابلها نشاط عربي رسمي للتعامل مع الموقف الجديد. ولا شك أيضاً أن جهوداً سياسية ودبلوماسية متواصلة قامت بها الأطراف العربية لشرح الموقف العربي للإدارة الأميركية وللعواصم الأوروبية، رغم أن هذه الجهود كانت تحتاج للمزيد من التنسيق العربي.

ولكن على الجانب الآخر والأهم يصبح التساؤل منطقياً: ماذا فعلنا على الأرض ؟ وما هي الخطوات التي استكملناها لتقوية الموقف العربي في هذه المواجهة الحاسمة ؟ وما هي السيناريوهات التي اعددنا للتعامل مع ما سيطرحه الرئيس الأميركي ؟

لقد كانت هناك بداية معقولة مع انطلاق قطار المصالحة العربية بعد مأساة غزة ومأساة العرب في الخلاف حولها. لكن القطار ؟ فيما يبدو ؟ توقف عند المصالحة السعودية ؟

السورية، وهذه المصالحة بدورها توقفت عند تمرير الانتخابات في لبنان، وفيما عدا ذلك اقتصر الأمر على « تبريد « موقف بين دولتين، أو التوصل لهدنة، أو وقف الحملات الإعلامية. بينما بقيت الخلافات الأساسية بلا حل بين أطراف عربية أساسية مثل القاهرة ودمشق، أو على الساحة الفلسطينية التي تدخل أخطر مراحلها وهي تعيش أسوأ حالات الانقسام.

هكذا سنستقبل مبادرة أوباما كما استقبلنا مبادرات كثيرة سابقة.. قضية عادلة وموقف أميركي أقل انحيازاً لإسرائيل، وموقف أوروبي وعالمي أكثر تفهما للحقائق، وإمكانيات عربية قادرة ؟ لو اجتمعت ؟

على تغيير موازين القوى المختلفة، وانقسامات عربية وفلسطينية تجعلنا الطرف الأضعف في المواجهة، وحرائق تندلع ؟ بفعل فاعل ؟ لتجعل العالم العربي ساحة لقتالنا وقتال الآخرين.. من العراق الذي تم تدميره وينتظر الأسوأ، إلى السودان الذي يجري تفتيته، إلى اليمن المهدد بالوقوع في دائرة الفوضى الكارثية عليه وعلى المنطقة.

هكذا سنستقبل مبادرة أوباما، وأظن انه من العبث أن نتساءل عن السيناريوهات التي أعددناها للتعامل معها.. وكيف نستفيد منها إذا وجدناها ايجابية. وكيف نتفادى الخسارة إذا جاءت في غير مصلحتنا، وكيف نحتفظ في كل الأحوال بجوهر الموقف الذي يسود العالم الآن بضرورة رفع الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني واستعادة الحقوق العربية.

من العبث أن نسأل.. ومن العبث أن ننتظر الإجابة. فقط ننتظر مع غيرنا مبادرة الرئيس الأميركي و.. ربنا يستر!

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com