الرسالات السماوية العظمى وفي مقدمتها الإسلام والتي يتهمها الجهلاء والمغرضون بمجافاة حقوق الإنسان لرفضها الإقرار بحق أي إنسان في العدوان على شرف وكرامة الإنسان، أو بالانحراف أو الشذوذ عن مبادئ الأديان، هي التي حملت أول دعوة وصاغت أجمل وأكمل إعلان لحقوق الإنسان إعلاءً لقيم الحق والعدل والحرية، بلا ظلم من قوي لضعيف ولا استغلال من غني لفقير، وبلا تمييز بين أبيض وأسود أو غربي وشرقي أو عربي وأعجمي..
وهي التي نظمت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الأفراد والجماعات والمجتمعات على أسس من العدالة والتعاون والمحبة الإنسانية، وضاعفت من مسئولية العلماء والأمراء في كفالة الحقوق والواجبات المادية والمعنوية التي تحفظ الكرامة الإنسانية بما ينفي الفقر ويحرم العدوان ويشيع المحبة والسلام بين الناس، ويضمن الحقوق المادية والمعنوية والكرامة للحياة الإنسانية.
وبينما كان في «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الكثير من الحقوق الأساسية التي تتفق مع ما بشرت به الأديان، إلا أنها لم تجد طريقها إلى التحقيق بصورة كاملة أو متساوية في الكثير من دول العالم ،بل عادة ما يتم استخدامه بطريقة انتقائية وأحيانا ابتزازية لأغراض سياسية في العلاقات الدولية تتغطي بالإنسانية، والتي لو طبق الأساسي منها لجنبت العالم الكثير من النزاعات والأزمات والكوارث التي يشهدها اليوم.
في هذا الإعلان تثبيت بشري للحقوق الإنسانية الأساسية التي تؤكد حق الإنسان، بلا أي نوع من التمييز العنصري أو الديني أو السياسي، رجلا أو امرأة أو شابا أو طفلا، في الحياة، والأمن، والحرية، والصحة، والتعليم، والعمل، والكرامة.
كما نقرأ في الإعلان الواجب التطبيق من كل دولة وقعت عليه، أن «لكل فرد الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته».
وهو ما يلزم الالتفات إليه وسط النقاش الدائر بعد الأزمة المالية العالمية عن مدى حق الحكومة أو واجبها في إدارة وتوجيه النشاط الاقتصادي والاجتماعي في قطاعي الإنتاج والخدمات بما يضمن حقوق الأفراد الأساسية، أم ترفع يدها وتترك أفراد المجتمع بدون حماية ورعاية في السوق الحر كالسلع تتاجر لهم وبهم آليات هذا السوق بطمعه واحتكاراته، وبطالته وغلاء أسعاره في التعليم والصحة والغذاء والإسكان؟.
وهذا يلقي على الحكومات مسؤولية ضمان هذه الحقوق الأساسية في الأمن والتعليم والتأمين الصحي والعمل والإسكان الضمان الاجتماعي لكل فرد خاصة من الضعفاء والفقراء، خصوصا لغير القادرين على التعامل مع هذا السوق.
ويلزم مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية بتشريع هذه الحقوق الأساسية وضمان تطبيقها وفاء لما وقعت عليه من مواثيق دولية ولما تنص عليه معظم الدساتير العالمية والعربية من حقوق وواجبات للأفراد والحكومات.
وفي الشريعة الإسلامية تكفي الإشارة إلى الضرورات الأساسية الخمس التي تشرع الحقوق الأساسية للإنسان.. بغير تمييز، والتي توجب على ولي الأمر وقوى المجتمع ضرورة صيانتها والحفاظ عليها وتؤثم التفريط في تطبيقها.
وهي ضرورة حفظ النفس، وحفظ الجسم، وحفظ المال، وحفظ الدين، وحفظ العرض، لنجد أن لا تعارض في المبادئ الأساسية بين التشريع الإلهي، والتقنين الإنساني، لكن التعارض هو دائما ما ينتج عن سوء قراءة النص الرباني وسوء إدارة التطبيق الشيطاني للحق الإنساني .. والشيطان دائما يكمن في التفاصيل!