يتسابق المسؤولون الإسرائيليون في هذه الفترة من خلال جولاتهم المكوكية إلى العواصم الأوروبية وبشكل مكثف، فقد جال وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان في العواصم الأوروبية والاسكندنافية، بينما الرئيس الإسرائيلي العجوز شيمون بيريز كان في موسكو قبل أيام قلائل، وحاليًّا يطوف رئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف بنيامين نتنياهو أوروبا وفي مقدمتها بريطانيا وألمانيا.
وقد بدت هذه الزيارات المتلاحقة بشكل لافت للنظر، حيث جرت العادة أن المسؤولين الإسرائيليين لا يكثرون من زياراتهم إلى ديار الحلفاء إلا إذا كان هناك ما يزعجهم ويقلقهم، وليس ثمة اليوم ما يزعجهم ويقلقهم أشد من المطالبة بـ"تجميد" الاستيطان أو ما يسمى "النمو الطبيعي للمستوطنات"، بينما يزعمون أن مطالبهم لم تنل الحظ والاهتمام الكافي من قبل حلفائهم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والتي تتمثل في التطبيع والاعتراف بما يسمى (يهودية إسرائيل) والملف النووي الإيراني.
وواضح أن الهدف من زيارات هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين للعواصم ذات الثقل السياسي والاقتصادي والمؤثرة يأتي في إطار محاولة الضغط على الإدارة الأميركية لتليين موقفها من الاستيطان، والتركيز على المطالب الإسرائيلية وذلك بالإيحاء أنهم يريدون أن يعطوا أوروبا وروسيا دورًا أكبر في المنطقة وكلاعبين رئيسيين في عملية السلام وكبديل للدور الأميركي المتفرد، وطبعًا هذا الإيحاء ما هو إلا إحدى المناورات التي يلجأ إليها الكيان الإسرائيلي للتملص من الاستحقاقات الراتبة عليه.
ولذلك فإن حديث نتنياهو بعيد اجتماعه مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وقبلها مع نظيره البريطاني جوردون براون عن "الأمل في التمكن من استئناف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين خلال شهر أو شهرين، وإمكان تحقيق تقدم من شأنه أن يذهل المتشائمين ويفاجئ العالم لتحقيق السلام"، إنما هو من قبيل المراوغة للتظاهر بأنهم مستعدون لمثل هذه الخطوة وسائرون إليها، لأنه عاد إلى عهده القديم ليراكم العقبات فوق بعضها بعضًا، محاولاً دغدغة العاطفة والمشاعر الأوروبية، مشترطًا الاعتراف بـ"يهودية إسرائيل" والسيادة على القدس وبقاء المستوطنات التي عبر عنها بأهمية توفير الحياة الطبيعية لسكانها المستوطنين مقابل كيان فلسطيني هزيل، وشل قدرة إيران التي قال عنها "الوقت يمضي بسرعة، إيران تقول إنها تريد شطب بلدي من خريطة العالم. الأمر الأكثر أهمية هو أن نتمكن من فرض عقوبات تشل "طهران". يمكن ممارسة ضغوط فعلية على نظام طهران".
فنتنياهو يعلم تمامًا أن الفلسطينيين والعرب لن يقبلوا بهذه الشروط التعجيزية، وهي شروط ليست بجديدة وقد سبق أن رددها في خطابه الأخير، لكن الضرورة تستدعي لتكرارها اليوم ليضمن الدعم الأوروبي في مواجهة الضغط الأميركي. غير أن ما سمعه نتنياهو من ميركل وبراون كان متفقًا مع اتجاه الإدارة الأميركية، حيث حضَّا صديقهما وحليفهما التقليدي على وقف الاستيطان كشرط لاستئناف مفاوضات السلام بهدف قيام دولة فلسطينية إلى جانب الكيان الإسرائيلي، مشدديْنِ على أن "وقف الاستيطان في الأراضي المحتلة هو حجر الزاوية لاستئناف عملية السلام"، وأن "السلام يمر بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل".
إن تصريحات الأطراف الثلاثة تشير بوضوح إلى أن ثمة انسجاماً أوروبيًّا مع الموقف الأميركي بضرورة وقف الاستيطان، ورفضًا إسرائيليًّا لذلك وعدم استعداد الجانب الإسرائيلي لاتخاذ موقف شجاع بالموافقة على ذلك والرضوخ لمطالب الحلفاء، ما يستدعي أن يبذل هؤلاء الحلفاء مزيدًا من الضغط على صنيعتهم المدللة التي تمادت في مطالبها وتعنتها وعنادها والتخلي عن التدليل الزائد لها.
