لكل شعب خصائصه الاجتماعية وموروثه الحضاري، وتراثه الشعبي، ومدنه التي تلوّنت بعمارة تقليدية في غاية الروعة مثل صنعاء، وأخرى مثل حلب كانت الأولى في نسج الحرير لأباطرة وملوك العالم، وكذلك القاهرة وبغداد وتونس، وعُمان وغيرها عندما سجلت تراثاً غنياً بمعالمه ونشاطه، ولا تزال سماته قائمة حتى الآن..

ولكل مدينة معلْم معين يجذب الزائر والسائح، والقارئ للتاريخ وبحوثه، ورؤية الصناعات التقليدية والحرف التي باتت جزءاً من هويتها، حتى إن هذه الأنشطة تحولت إلى سلع رائجة وذات سوق يجني أرباحاً غير عادية، لدرجة أن هناك أسراً توارثت الصناعات الفخارية، أو الدق على النحاس، والأخشاب والجبس والحديد، والصناعات الجلدية والسجاد والمنسوجات التي تحاك باليد، وهي ما جعلت هذه الأسر، لا تزال تمتلك هذا التراث وتعطيه سماته الشخصية وتقاليده العريقة، ومكاسبه المستمرة..

مدننا لم تكن تختلف عن غيرها في الوطن العربي، فقد كانت الأحساء أهم مدينة تصنع عِبي النساء ، وبشوت الرجال والثياب المطرزة، حتى إن الوجهاء والمشايخ والأمراء وغيرهم، يفاخرون باقتناء هذه الأزياء ومعهم النساء المحظوظات ممن يحصلن على تلك المشغولات والصناعات الراقية، ولم يقتصر التسويق على الحدود القريبة من الأحساء بل طارت هذه الصناعات إلى بغداد وطهران ودول الخليج وغيرها..

مدن أخرى اشتهرت بصناعاتها اليدوية واكتفائها الذاتي عندما كانت النخلة تمدنا بالقفف والزنابيل والبُسط، وأسقف البيوت، وظلت قربة الماء وصميل اللبن والسفايف الجلدية التي تزين بها الإبل، والحدادون الذين لا نجد إناءً في مطابخنا من قدور وصحون وأباريق وملاقط للفحم، ودلال صنعت خارجياً، وفي الشرق والغرب، والشمال والجنوب من بلادنا كان لكل مدينة صحراوية، أو جبلية ، أوساحلية معالمها البارزة..

فالبيت العسيري الذي قاوم الأمطار والعواصف والمطرز بأجمل النقوش التي كانت تقوم بها المرأة، والمنزل التهامي أو العشة التي تطابقت مواصفاتها مع بيئة حارة رطبة، وممطرة، والرحى والمنفاخ، والشداد، وكل ما كان يرمز لنا بشخصيته الحقيقية باتت لا تُنشر أو تُرى حتى في كتاب (المطالعة) لطلبتنا في الابتدائية والمتوسطة..

الجنادرية وحدها من يعرض بعض تلك النشاطات والحرف، لكنها رمزية ولم تعد ذات صنعة بارزة في أحياء تعيدها إلى صورتها الحقيقية، وهذا القصور يُعزى للجميع إذ لو استطعنا الاستعانة ببقية من يعيشون بيننا ، ويتقنون هذه الصناعات وجعلناهم يدربون من يرغب من الشباب العاطل واستغلال مهارة ذوي الاحتياجات الخاصة والسجناء ، وشجعنا القرى النائية، وبعض أحياء المدن ومنحناهم دكاكين وأدوات ورواتب مؤقتة حتى تصل هذه الأشغال إلى الإنتاج المربح، فإننا سنستعيد شيئاً فقدناه وسوف نفقده نهائياً إذا لم نتدارك الأمر..