لم يسلم القوت اليومي للشعب الفلسطيني من التأثيرات اليومية للانقسام الفلسطيني الراهن والحصار الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة والضفة الغربية، ولم تسلم معه أعمال وكالة الأونروا في ساحة عملياتها في فلسطين بعد أن طالت إجراءات الاحتلال حركة المساعدات المقدمة من الدول المانحة للفلسطينيين عبر الوكالة الدولية، فضلاً عن التناقص المتسارع للمواد العينية كالطحين والسكر والرز والعدس، وحليب الأطفال... من مستودعات وكالة الأونروا في الأراضي الفلسطينية المحتلة خصوصاً في قطاع غزة.

ومؤخراً ومن قلب قطاع غزة، ومن عزبة عبد ربه وسط القطاع، والتي دمرها القصف الجوي الصهيوني إبان العدوان الأخير على قطاع غزة، وجهت وكالة الاونروا نداء عاجلاً إلى الدول المانحة والدول العربية لتقديم (181) مليون دولار كمساعدة عاجلة لتمكينها من الاستمرار في تقديم خدمات خدماتها الطارئة إلى اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة بشكل خاص، الذين يشكلون أكثر من (70%) من سكانه، فقد أصبح إعادة الإعمار سراباً .

حيث تم التعهد بمليارات الدولارات من أجل إعادة الإعمار لكن لم يصل منها فلس واحد الى غزة. كما أن الحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال ومنع دخول مواد البناء إلى الناس، أعاق بشكل كبير الإصلاحات الكثيرة للمساكن، والمدارس، والمصانع والطرقات، فيما لم يصل إلا القليل من مئات الملايين من الدولارات التي تم التبرع بها من خلال الحملات العامة خلال الحرب.

وكانت وكالة الأونروا قد أشارت في ندائها العاجل أنه «مع حلول شهر رمضان المبارك ما زالت الأوضاع في قطاع غزة سيئة وأصبح من المؤسف والمخجل أن يستمر اللاجئون بالعيش في ظروف لا تطاق. فبعد مرور سبعة أشهر على العدوان الإسرائيلي الأخير، وثلاث سنوات من الحصار الخانق، أصبحت حياة مليون لاجئ في غزة تخيم عليها البطالة المزمنة، وقلة الحصول على المياه والطاقة والأخطار الصحية، فيما يعيش الآلاف تحت أنقاض بيوتهم السابقة فاقدين كل حاجياتهم الدنيوية».

وقبل النداء الأخير، كانت المفوض العام لوكالة هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، والمعروفة اختصارًا باسم وكالة الأونروا كارين أبو زيد، قد أطلقت نداء استغاثة من أجل إنقاذ الوكالة من حالة العجز المتوقعة مع ازدياد الأعباء التي تحملها الوكالة في سياق خدماتها المقدمة لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في فلسطين والشتات.

والنداء موجه بشكل رئيسي إلى الدول المانحة، خصوصًا منها الدول العربية، ودول الاتحاد الأوربي وكندا واليابان، من أجل تأمين ما ليقل عن (75) مليون دولار لسد العاجز القائم حاليًّا، ولتقديم مساعدات إضافية للفلسطينيين في قطاع غزة على ضوء الحصار الراهن، وتراجع سبل العمل وتفاقم الفاقة.

ومن نافل القول بأن عملية التجويع المبرمجة الجارية بحق الفلسطينيين على ضوء الحصار المضروب على كافة المناطق المحتلة عام 1967، وتجفيف مصادر الدعم الدولي، تأتي في الاتجاه الذي تسعى إليه الادارة الأميركية لتحقيق أغراض سياسية، فضلاً عن تدمير الأوضاع الفلسطينية الداخلية، وإيصال الناس إلى مرحلة اليأس.

فالوضع الداخلي الحياتي المعيشي والاقتصادي للفلسطينيين في الداخل، لا يحتمل أصلاً أي ضغوط إضافية مع تفاقم مشكلة البحث عن عمل (البطالة) وانتشار الفاقة والعوز المدقع، كما تشير إلى ذلك التقارير الدولية التي تواترت في الوصول إلى الهيئات العالمية منذ أربعة أعوام على الأقل. لكن أخطرها يتمثل في التقارير الأخيرة التي تؤشر على التردي المريع في حياة الناس المعيشية جراء إجراءات الاحتلال.

فالتقديرات الأولية للبنك الدولي على سبيل المثال، وتقريره الشامل عن الوضع في فلسطين تشير إلى حقائق مخيفة، فقد وصلت نسبة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت خط الفقر بين (40% ـ 50). وتراجع الناتج القومي خلال العامين الأخيرين بنسبة (12%) وانخفض الدخل القومي إلى نحو (15%) بعد أن تقلص دخل العمال الفلسطينيين بنسبة (40 %).

بينما تشير المعطيات الحديثة لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في تقرير إلى أن نصف مليون فلسطيني في الأراضي المحتلة أمسوا في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية تتجاوز (70) ألف طن، ويتقاطع مع تقرير البنك الدولي الذي يقدر بأن (50) من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة تحت خط الفقر، إذ يقل الدخل اليومي للفرد عن دولارين.

أما المبعوث الدولي الخاص للأمم المتحدة تيري رود لارسن، فقد كشف في تقرير أعدته لجنة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية قبل سنوات قليلة، عن ارتفاع حاد في نسبة الباحثين عن عمل داخل فلسطين.

وأضاف بأن نسبة الباحثين عن عمل في الضفة الغربية قد بلغت عند استثناء مدينة القدس نسبة (63، 3) إذ خضع بين (600 إلى 900) ألف فلسطيني في الأراضي المحتلة لأوامر منع التجول. واعتبر لارسن بأن التقرير المشار إليه ومعطياته وبياناته «مثيرة للهلع» وأنها «تدل على كارثة يعيشها الفلسطينيون».

وهي «كارثة ليست طبيعية بل من صنع الإنسان» على حد تعبير لارسن، فنسبة الفقر في قطاع غزة وصلت إلى (70%) مقارنة بـ (55) في الضفة الغربية. وعليه فإن تقديرات برنامج الغذاء العالمي تحتم عليه تقديم مساعدات غذائية لنحو نصف مليون فلسطيني.

ويمكن تلمس مدى الوجع المباشر الواقع على العائلات والأسر الفلسطينية من خلال البيانات التي نشرتها وكالة التطوير الدولي في الولايات المتحدة، فالبيانات والمعطيات التي أفرزتها عينة تمثل (1000) عائلة في الضفة الغربية وقطاع غزة (مدن، قرى، مخيمات) تشير إلى أن (53%) من النساء والأطفال في الضفة والقطاع يعانون من سوء التغذية وفقر الدم. وأن (9، 3) من الفلسطينيين يعانون من سوء التغذية بدرجة كبيرة، ونسبة (13، 2) يعانون من سوء تغذية مزمن، في حين يعاني (3، 5) من الأطفال يعانون من سوء تغذية متواصل، ونسبة (19، 7) من الأطفال من عمر ستة أشهر حتى خمس سنوات يعانون من فقر الدم، وكذلك (10، 8) من النساء من جيل (15 ـ 45) يعانين من فقر الدم، ومرد ذلك يعود بشكل خاص لافتقاد البروتين وعناصر غذائية ثانية مثل الحديد.

كاتب فلسطيني/دمشق

bdwan60@aloola.sya