تقع جزيرة جامايكا في البحر الكاريبي على مسافة 145 كيلومتراً جنوب كوبا و190 كيلومترا غرب هاييتي، وتبلغ مساحتها 100, 11 كيلومتر مربع، وعدد سكانها 8, 2 مليون نسمة، وتم اكتشاف الجزيرة على يد كريستوفر كولومبس عام 1494، واستقلت عن بريطانيا عام 1962. ويعتمد اقتصاد جامايكا على الزراعة والتعدين والصناعة والسياحة والخدمات المتعلقة بالجوانب المالية والتأمين، وإن كانت المصادر الأساسية للعملات الأجنبية تعتمد بدرجة كبيرة على السياحة والتعدين.

ووفقا لصندوق النقد الدولي انخفض إجمالي الدخل القومي من 397, 14 مليار دولار أميركي عام 2008 إلى 757, 12 عام 2009، كما انخفض متوسط دخل الفرد من 5335 دولارا أميركيا للعام 2008 إلى 4705 للعام 2009.

يعني ما سبق أن أحوال جامايكا الاقتصادية لا تختلف عن أي من الدول العربية، إذا استبعدنا الدول الخليجية ذات الدخل المرتفع، حيث تعاني من تكدس السكان وزيادة نسب البطالة والتضخم، كما أنها تعاني من عدم وجود ميزة اقتصادية خاصة بها فيما عدا قطاع السياحة. ورغم كل ما سبق استطاعت جامايكا أن تفرض نفسها عالميا في مجال ألعاب القوى وبشكل خاص العدو للمسافات مئة ومئتين وأربعمئة متر في معظم البطولات العالمية، وآخرها دورة الألعاب الأولمبية في بكين 2008، وبطولة العالم الثانية عشرة لألعاب القوى التي أقيمت في العاصمة الألمانية برلين في الفترة من الخامس عشر وحتى الثالث والعشرين من الشهر الجاري.

وفي دورة برلين جاءت جامايكا في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأميركية بفارق ثلاث ميداليات ذهبية، متقدمة على دول كبيرة في عالم ألعاب القوى مثل روسيا وبولندا وفرنسا وبريطانيا وأستراليا وكوبا والصين وغيرها العديد من الدول المتقدمة الأخرى. وفي المقابل لم تحصل الدول العربية المشاركة فيما عدا البحرين وقطر على أية ميداليات في البطولة، حيث حصلت الأولى على ميداليتين ذهبيتين وواحدة برونزية في إحدى مفاجآت البطولة المدوية، بينما حصلت الثانية على ميدالية واحدة برونزية.

وهذه الوضعية العربية المزرية والمخيبة للآمال تثير تساؤلات عديدة حول واقع الرياضة في العالم العربي والأسباب المختلفة المؤدية لضعفها وترديها بمثل هذا الشكل سواء بين الدول الفقيرة أو الدول الغنية. فالمسألة تتعلق برياضة العدو وغيرها من ألعاب القوى المختلفة التي لا تحتاج لميزانيات ضخمة مثل تلك التي تحرص كل الدول العربية المختلفة على تخصيصها لكرة القدم بغض النظر عما تحققه من بطولات لدولها. فلكرة القدم بالأساس وظيفة أيديولوجية تهدف لإلهاء الشعوب وحشدها وراء أندية ومنتخبات لا تحقق شيئا حقيقيا في النهاية.

لكن كرة القدم رياضة تخدم النظم السياسية بالأساس، وبشكل خاص تلك التي تواجهها العديد من المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. أما ألعاب القوى والتنس والسباحة وغيرها من أنواع الرياضة الفردية والجماعية الأخرى فهي أولا غير شعبية من حيث انعدام الاهتمام بها، ومن حيث رفض العادات والتقاليد الاجتماعية لها، وبشكل خاص من ناحية ممارسة النساء لها.

اللافت للنظر أن الصحف العربية لم تتناول المشاركة الضعيفة جدا من جانب المنتخبات العربية، ناهيك عن العديد من المنتخبات التي لم تشارك من البداية، وقنعت بالمشاهدة. فعلى ما يبدو أن هذه الأنواع من الرياضة لم تعد في صلب الاهتمام الصحافي والإعلامي العربي الذي لا يعي من الرياضة إلا الجري وراء الأحداث والمناسبات الكروية.

يعكس الواقع الرياضي العربي مدى تدهور الواقع الاقتصادي من ناحية وغياب التخطيط الرياضي الذي يضمن نجاح المنتخبات العربية في الحصول على ميداليات في المسابقات العالمية، أو حتى ضمان التمثيل المشرف والاقتراب من المراكز المتقدمة من ناحية أخرى. وهو أمر يستدعي إعادة النظر في خريطة الرياضة العربية والاستهداء بالدول المتقدمة في الأنشطة الرياضية المختلفة.

وإذا كانت ظروف الكثير من الدول العربية لا تقل سوءا عن غيرها من ظروف جامايكا محدودة الدخل، فما الذي يؤخر الدول العربية بمثل هذا الشكل ويؤدي لتخلفها عن غيرها من الدول سواء أكانت في مستوى جامايكا أو في مستوى غيرها من الدول المتقدمة مثل أميركا وبريطانيا وفرنسا.

المسألة تحتاج لإعادة صياغة كاملة يمكن من خلالها التوفر على تدريب العناصر الناشئة صغيرة السن؛ فالبرنامج الجامايكي يختار هذه العناصر منذ الصغر في أعمار تبدأ من الثالثة عشرة ويتعهدهم بالرعاية لسنوات طويلة، والنتيجة الوصول إلى أبطال على مستوى عالمي فذ مثل يوسين بولت الذي حصل بمفرده على ثلاث ميداليات ذهبية في دورة بكين عام 2008 مُحطما الأرقام العالمية لسباقي مئة ومئتي متر، وعاد ليحطم الرقمين نفسيهما في دورة برلين الأخيرة ليصبح أسرع رجل في العالم. لم تأت أرقام يوسي بولين لتعبر عن طفرة رياضية فجائية لكنها امتداد لأبطال عديدين غيره، وتراكم لخبرات وتدريبات طويلة ومتواصلة.

أما عندنا فالأمر مختلف تماما، فالهبات الرياضية إذا حدثت فهي هبات فُجائية لا تستمر ولا تتراكم، هذا إن بدأت من الأصل. فالفرق بيننا وبين جامايكا يكمن في مواصلة جامايكا برنامجها التدريبي لحظة اكتشافها لوجود ميزة العدو لدى رياضييها، أم عندنا فكم من ميزات لدينا نتعهدها بالإهمال والموالد الاحتفالية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، في عالم لا يعرف سوى التدريب الشاق والالتزام الصارم، ولا يدع للصدف مجالا في حساباته.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com