فيما ثبت للقاصي والداني خطأ قرار بوش وبلير بشن الحرب على أفغانستان ومن بعدها العراق خارج إطار الشرعية الدولية، وبعدما تكشفت خطيئة الاحتلال بما تكشف من جرائم حربية وانتهاكات حقوقية ضد الإنسانية بجرائم التعذيب البشعة التي يندى لها جبين الإنسانية في جوانتانامو وبإجرام في أفغانستان وأبوغريب في العراق بما دفع الشعب الأميركي والبريطاني لسحب ثقتهما من بوش وبلير، ليحتلا مكانهما في أسوأ مكان في التاريخ كغزاة ومعتدين مرفوضين من شعوبهم ومن شعوب العالم.

ومع صعود إدارة أميركية جديدة برئاسة أوباما بدت أكثر عقلانية وحكومة بريطانية جديدة برئاسة براون بدت أكثر استقلالاً عن واشنطن، أعلنتا عزمهما على الانسحاب بأسرع وقت من العراق استجابة لضغوط الرأي العام، ونتيجة للخسائر البشرية والمادية الباهظة، بينما زادا من عدد قواتهما في أفغانستان على عكس ضغوط الرأي العام ورغم الخسائر اليومية المتزايدة، فظهرا كمن يخرج من حفرة ليسقط في البئر!.

وبينما اعترفا أن الحرب على العراق كانت خطأ، لم يعترفا بعد أن الحرب في أفغانستان هي أكبر الأخطاء، بالرغم من أن غالبية شعبيهما يقولون ذلك، وفي محاولة لإقناع الرأي العام الأميركي بضرورة الحرب في أفغانستان اعترف رئيس الأركان الأميركية مولن أن حركة القاعدة ما زالت قوية وقادرة على ضرب الولايات المتحدة بعد ثمانية أعوام على اعتداءات سبتمبر، وذلك لتبرير الحرب، لكنه وفي أوضح اعتراف بالفشل أعلن أن الوضع الصعب في أفغانستان «خطير ومتدهور» ويسير نحو الأسوأ!

فيما تشير استطلاعات الرأي العام الأميركي والبريطاني إلى أن غالبية الآراء ترفض الاستمرار في هذه الحرب الخاسرة، ففي الاستطلاع الذي أجرته صحيفة واشنطن بوست وايه بي سي نيوز منتصف الشهر الحالي، يرى 51% من الأميركيين أن تلك الحرب هي إضاعة للوقت، مقابل 47% يؤيدونها، وهو ما وصفه مولن بأن «هذه الأرقام تثير المخاوف» في الوقت الذي تطلب القيادة الأميركية في أفغانستان تعزيزات جديدة لمواصلة الحرب بتأييد من الجمهوريين المحافظين.

كما أشارت استطلاعات الرأي العام البريطاني إلى أن ثلثي الآراء لا تؤيد التورط البريطاني في الحرب ضد أفغانستان إلى جانب القوات الأميركية، فيما يرى 75% من الآراء أن مشاركة بريطانيا في هذه الحرب لا تحمي بريطانيا من الهجمات الإرهابية بل الأقرب هو العكس، ويلاحظ أن الشارع البريطاني وبعض وسائل الإعلام تتزايد اعتراضاته على هذه الحرب، وترتفع تساؤلاته لحكومته «لماذا يموت جنودنا يومياً في أفغانستان؟!».

ويضاعف من موجة الاعتراضات الشعبية والإعلامية، تزايد الخسائر البشرية بسقوط أعداد أكبر من الجنود الأميركان والبريطانيين ومن دول الناتو خلال الشهرين الماضيين اللذين كانا الأكثر دموية لهذه القوات في هذه الحرب التي دخلت عامها التاسع دون قدرة حلف الناتو على تحقيق انتصار حاسم على طالبان التي يتزايد حضورها وهجماتها على القوات الغازية وعلى المراكز الحكومية في العاصمة «كابول» منذ بدأ الغزو الأنجلو أميركي لأفغانستان في إشارة على الفشل العسكري.

فهل تقود نتائج الحرب الخاسرة ونتائج استطلاعات الرأي المعارضة لهذه الحرب الرئاسة الأميركية والبريطانية إلى وقفة شجاعة للتراجع والمراجعة لإعادة النظر في استراتيجية عسكرة السياسة الخارجية الأنجلو أميركية، وفي استراتيجية الحرب على الإرهاب التي زادت من انتشار الإرهاب، ووضع استراتيجية سياسية جديدة لمكافحة الإرهاب بمكافحة الاحتلال والغزو والعدوان، وبنشر العدالة والتنمية التي وحدها تجلب الأمن والسلام ؟!

mamdoh77t@hotmail.com