من ضمن المصطلحات السياسية قبل عدة عقود مفهوم "التعبئة الشعبية، أو القومية" وهو صوت سياسي أو إغراء للشارع لأنْ يقود التظاهرات والإضرابات سواء ضد حكومة وطنية أو دولة تصنف بالعدوّة، وقد أسيء هذا الفهم لأن التعبئة المطلوبة حدثت، بعد الحرب العالمية الثانية عندما وجهت كل من ألمانيا واليابان وبعدما لحقهما الدمار الشامل، أن استطاعت قوى الشعب فيهما التغلب على الهزيمة، والخروج منها بأقوى اقتصادين في آسيا وأوروبا..

والتعبئة بالنسبة لدول العالم الأخرى هي تأكيد للذات وتحقيقها بالعمل، بمعنى أن المواطنة فعلٌ وليست اتكالية على دخل ريعي، وقياس للعطاء، وقدرته على تجاوز السلبية في الأداء الجيد، وتنظيم الوقت لأن عامل الزمن إذا تمت جدولته بالإنتاج استطاع هزيمة الجهل وكافح عوامل التطرف بمختلف أشكالها..

فالغرب صنع حضارة غير قابلة للزوال والسر في ديمومتها تجديد ذاتها، لأن المفكر والباحث، والعالم يدورون في حلقة التطوير، عكس الحضارات الكلاسيكية التي قامت على الامبراطوريات ومبدأ السُّخرة بالعمل، والغزو، ثم في حالة السقوط والانهيار تبقى المعالم هي الشواهد على ماض لا يتجدد، ولأن التفاعل مع المكتشف العلمي يتحول سريعاً إلى طاقة إنتاج يدخل مباشرة للسوق العالمي، فالغرب استطاع أن يجدول وقته ويضع فرص العمل لمن يملك القدرة والعطاء ، ولا محل لمن لا يحمل قيم الأداء المتواصل، ولعل الشرق تأثر بهذا وكان السر في سرعة تجاوزه السنين وبروز اليابان والتنانين ثم العملاقين الهند والصين، والذين أضافوا للتنظيم والبحوث العلمية والإدارة، والانتباه إلى التعليم المتطور والتركيز على المجالات العلمية والهندسية، وكانت بيئة العمل تجسد الجديّة عندما اعتبرت ساعات العمل مقدسة، فكان الإنجاز العظيم وغير المسبوق في التاريخ..

في بلدنا تجري خطط متعددة لمنشآت هائلة صناعية وتجارية وبنية أساسية متكاملة، ويأتي التركيز على التعليم كأهم الخطوات في ملء الشاغر من الوظائف في مجالات متعددة، وإذا كان الغرب هو مؤسس حضارة متواصلة العطاء، وأن الشرق استطاع تكييفها على إمكاناته المادية والبشرية وتقاليده الراسخة، فإننا نحتاج إلى دمج التنظيم الغربي بالأداء الرائع للفرد الآسيوي، وهذا لا يتأتى إلا بتنظيم المجتمع وفق حوافز العمل الجاد، والتفاعل مع طبقة الاختصاص والوظيفة، وبدون أن نجعل التعبئة منهجاً لحياتنا، وأن الطاقة البشرية هي مركز الدائرة في التقدم والتطوير سنجد أن التعليم الذي لا يصاحبه انضباط وأداء ومنتج اقتصادي متطور، سوف يصبح مجرد مكافحةٍ للأمية، وانخراطٍ في الوظيفة ذات الأداء الضعيف..

ما يدور في رأس صانع القرار وورشة العمل الكبيرة، والتفكير بأن إمكاناتنا إذا لم تُستغل بهذه الظروف المتاحة، فإن الهدر المادي والبشري والاتكالية العامة ستكون قضية معقدة ومن هنا جاء تحديد الأهداف وإطار العمل، وما نشهده من تطورات على كل المستويات في التخطيط وسرعة التنفيذ، لا يدخل في الحلم الذي لا يتحقق، وإنما بالاتجاه الصحيح الذي بدأت الدولة استشعاره كتحد للحاضر في بناء المستقبل الذي لا يعتمد على منتج واحد، وإنما توظيف كل الطاقات والإمكانات في بناء متجدد ومتطور..