قبل أيام، كنت أتبادل كثيرا من الأسئلة حول قضايا التنمية في منطقتنا مع الصديق العزيز فهد الدغيثر. قائمة طويلة من الأسئلة الملحة استعرضها الدغيثر وهو رجل الأعمال الناجح الذي يدرك جيداً مخاطر البطء في مواجهة التحديات التنموية في منطقتنا عموماً وفي بلاده السعودية خصوصاً.

يصر فهد على أن أكبر التحديات وأولى الأوليات يأتي في تأمين الفرص الوظيفية لآلاف الشباب القادمين إلى سوق العمل كل يوم. أتفق مع فهد على أن الوظائف الحكومية، مهما حاولنا توسيع دائرتها، لن تستوعب سوى نسبة قليلة من آلاف الباحثين ـ يومياً ـ عن فرص عمل مناسبة.

ولأن فهد الدغيثر قد خبر السوق جيداً ومن أكثر رجال الأعمال السعوديين إدراكاً لمخاطر البطالة على السلم الاجتماعي وعلى الاستقرار السياسي فهو شديد الإلحاح على ضرورة فتح أسواقنا وشركات القطاع الخاص أمام المؤهل من شبابنا وبناتنا. لكننا قبل أن نفتح أسواقنا أمام الشباب للعمل أمامنا تحدي آخر ربما كان الشرط الأول لنجاح هذا المشروع: كيف نؤسس لثقافة جديدة تهيئ مجتمعنا للتعامل بجدية مع متطلبات التنمية الراهنة ومع ثقافة العمل الجديدة في مجتمعنا؟

إننا معنيون أولاً بإعادة الحياة لمنظومة قيم كانت قائمة أصلاً في مجتمعنا يوم كان العمل الجاد هو السبيل الوحيد للبقاء أو للعيش بكرامة قبل عصر «الطفرات» التي دمرت كثيرا من قيم المجتمع ومفاهيمه تجاه العمل بكل أنواعه.

لقد نشأت أجيال في دول الخليج العربية تعتقد أن الشرط الوحيد للوصول لمنصب حكومي هو أن تكون «مواطناً» حاصل على شهادة جامعية. صارت الوظيفة الحكومية هي «الحلم» ومنتهى الطموح. وهذا «الهوس» بالوظيفة الحكومية قاد إلى تجاهل طويل لسوق العمل الحقيقي في الأسواق وشركات القطاع الخاص وقطاع الخدمات.

أعرف شاباً عصامياً في جدة ظن أن في الوظيفة الحكومية «أماناً» وظيفياً ومادياً لكنه، على هامش الوظيفة، فتح محلاً صغيراً يبيع فيه أدوات بناء. بعد سنوات قليلة أدرك أن «الأمان» لم يعد في وظيفته الحكومية ولكنه في الفرصة الذهبية الموجودة في سوق ضخم ينعم بخيراته الآلاف من القادمين من كل أصقاع الأرض وكثيرهم لا يفك الحرف. وبعد أن تفرغ لإدارة محله، توسع في تجارته وفتح فروعاً جديدة ربما أسهم في إدارتها شباب من وطنه.

أنا متأكد من أن هناك المئات من قصص النجاح التي تثبت أن «الأمان» الوظيفي والفرصة الحقيقية لتحقيق الطموح تأتي في «العمل الحر» خارج سلك الوظائف الحكومية. لكننا فعلاً ما نزال أمام تحد كبير أن نواجه تلك الثقافة التي غزت شبابنا في الخليج تجاه العمل و«النزول إلى الميدان» في السوق والمصنع والحقل.

لابد من تأسيس ثقافة جديدة تشجع على العمل غير الحكومي وتؤسس لصناديق جديدة لدعم مشاريع الشباب وتمويلها. والأهم من ذلك أن نكثف الجهد لتأصيل ثقافة تحترم العمل وتؤكد على الجدية فيه وإلا استمرت شكوى القطاع الخاص من أن «شبابنا لا ينفعون في العمل» أو «إنهم يريدون راتباً آخر الشهر بغض النظر عن الأداء والإنتاجية»!

قبل أسابيع، في المنامة، كنت في مكتب الدكتور مجيد العلوي، وزير العمل البحريني، وتحدثنا طويلاً في التحدي الكبير أمام دول مجلس التعاون لتقليص أعداد العمالة الأجنبية ومن أبرز الحلول المطروحة يأتي إحلال العمالة المحلية. لكن كيف نهيئ شبابنا أن يصبح البديل في ظل ثقافة غريبة لا تحترم العمل وتفتقد إلى الجدية في التعاطي مع متطلبات العمل؟

ولأن الدكتور العلوي، مثلي، درس وعاش في الغرب طويلاً، فقد استحضرنا تجربة طالب الجامعة في الغرب إذ لا يكاد طالب وطالبة يتخرج من الجامعة قبل العمل (بأجر محدود) في مطعم أو مقهى أو في بعض مرافق الجامعة أو خارجها.

أتذكر زميلة دراسة مكافحة، كانت تعمل في أكثر من مكان، كي توفر إيجار سكنها ومصاريف إقامتها وفقط عند التخرج عرفت أنها ابنة عمدة مدينة كبيرة في ولاية فلوريدا! وهناك آلاف النماذج الأخرى في أغلب البلدان في الغرب وفي الشرق.. ما لنا لا نستفيد منها؟ تخيل لو أن عدد قليل من طلاب جامعاتنا يعمل ـ بجد وصدق ـ بمعدل 8 ساعات أسبوعيا...كيف سيكون نتاج تلك الساعات القليلة وأثرها على مستقبله؟

حدثني فهد الدغيثر عن تجربة شركة بندة في توظيف الشباب السعودي خلال إجازات الصيف، تجربة أخرجت للسوق، على مدى السنوات القليلة الماضية، تجارب لشباب مجتهد قادهم الصبر والعمل المثابر لأن يصبحوا أرقاماً مهمة في السوق بعد أن عرفوا «أسرار المهنة» وأدركوا أن الجدية في العمل هي المفتاح لمستقبل مستقر وآمن.

ولهذا سأكرر طلبي لأخي فهد أن يكتب عن بعض تلك التجارب الناجحة لعلها تكون «القدوة» لأجيال قادمة لن تستوعبها الوظائف الحكومية ولن يحقق لها بعض متطلباتها الأساسية سوى تأهيل الذات والجدية في العمل والتفكير خارج السرب!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu