إجراءات الأمن المشددة المصاحبة للانتخابات الأفغانية تعكس حقيقة واحدة وواضحة، وهي أن هذا البلد لا ينعم بأدنى قدر من الديمقراطية، وأن هذا البلد كان ومازال وسيظل بؤرة للقتال والقتل والدمار لسنوات طويلة قادمة، ومهما ادعت واشنطن من أنها حققت الديمقراطية في أفغانستان ووفرت الحرية للشعب الأفغاني فإن دماء العشرات من القتلى من الشعب الأفغاني تكشف زيف وكذب هذه الادعاءات التي أصبحت مكشوفة للعالم كله.

في اجتماع لجنة الأمن في حلف الناتو في بروكسل في مارس الماضي تمت مناقشة الخطة الإستراتيجية الأميركية في أفغانستان، وعرض الخطة المسؤول الأميركي عن ملف أفغانستان وباكستان ريتشارد هولبروك، وتضمنت الخطة مسائل اجتماعية مثل تطوير الزراعة والصحة والتعليم في أفغانستان، وقال هولبروك ان واشنطن تنوي إرسال خبراء مختصين يساعدون الشعب الأفغاني على زراعة محاصيل أخرى بخلاف الأفيون والمخدرات، وخبراء في الصحة والتعليم.

ولكن على ما يبدو أن أعضاء الحلف لم يقتنعوا بالخطة الأميركية واعتبروها غير واقعية، بل أن البعض اعتبرها خدعة أميركية لإقناع الأوروبيين بأن واشنطن لا تسعى في أفغانستان للحرب فقط بل أيضا للتعمير والبناء.

وتساءل الأوروبيون كيف يمكن إقناع الأفغان بترك زراعة المخدرات التي تجلب لهم أرباحا بالملايين من الدولارات وتعليمهم زراعات أخرى مجهدة وشاقة لا تدر لهم أي ربح، وما فائدة المدارس والمستشفيات في هذا الاضطراب الأمني، ومن أين للأفغان بالآلاف من الأطباء والمدرسين.

في واشنطن يعلمون جيدا بأنه بدون الحلفاء سيكون الفشل حتميا في أفغانستان، هذا بخلاف مشكلة توصيل الإمدادات والمعدات للقوات داخل أفغانستان، والتي لا تزال قائمة بدون حل، حيث رفضت تركمنستان ورئيسها بردي محمدوف السماح بعبور أية معدات عسكرية لأفغانستان عبر أراضيها، ووافقوا فقط على المساعدات الإنسانية، وكان هذا نفس موقف طاجيكستان وأوزبكستان، كذلك روسيا لم توافق على ترانزيت للمعدات العسكرية لقوات الحلف في أفغانستان عبر أراضيها.

المهمة الأميركية في أفغانستان معقدة للغاية وتواجه عقبات كثيرة، ورغم هذا يصمم أوباما على الاستمرار فيها، والجميع يطرح حل الحوار مع طالبان، وطالبان توافق على الحوار بعد خروج جميع القوات الأجنبية من أفغانستان، بل تتعهد طالبان بأنها ستوقف القتال تماما في حالة مغادرة القوات الأجنبية للأراضي الأفغانية.

لقد قرر أوباما إرسال المزيد من القوات الأميركية لمواصلة القتال في أفغانستان، وربما لا يدري أوباما ماذا ينتظر هذه القوات هناك، حيث يعتقد الكثيرون أن أوباما ليس من أنصار الحرب وليست لديه قناعة بالحرب في أفغانستان أو غيرها، ولكن هناك في واشنطن من صقور الحرب من يقنعونه بأن الحرب على الإرهاب في أفغانستان حتمية ولا مفر منها، لكنهم لا يقدمون له أية ضمانات على النصر في هذه الحرب ولا يحددون له نتائجها الفعلية واحتمالات خسائرها، وأوباما من جانبه لا يستطيع من البداية أن يرفض كل شيء وإلا تعرض لمصير كنيدي الذي رفض الحرب في فيتنام فاغتالوه وجاء بعده جونسون ليذهب للحرب.

موقع أفغانستان المتميز أجبرها رغم أنفها على الدخول في موازين وإستراتيجيات الدول والإمبراطوريات العظمى على مدى أكثر من قرن مضى، وكان بديهيا أن تنال الاهتمام الأكبر من كل من موسكو وواشنطن، وإن كانت لم تنل الاهتمام المتوقع من إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش بسبب تركيز اليمين المحافظ الجمهوري على العراق بسبب النفط، فقد عاد الديمقراطيون أصحاب الإستراتيجيات الواسعة النطاق ليعطوها الاهتمام الأكبر، وهو الأمر الذي كانت تتوقعه موسكو وتعلم أنه سيحدث، لهذا لم يكن غريبا ولا مفاجئا للروس أن تقرر إدارة الرئيس أوباما تخفيف الوجود العسكري في العراق وإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru