الوصول إلى مجتمع إنساني عالمي حر وعادل وآمن من الجوع ومن الخوف، وصولا لعالم أكثر عدلا وأكثر أمنا وأكثر سلاما هو هدف نبيل تباركه كل الرسالات السماوية الكبرى وفي مقدمتها الإسلام الذي يمثل أبلغ دعوة للأخوة الإنسانية وللعدالة الاجتماعية ولتقدم وسلام البشرية..

لكن الإشكالية تنبع من غياب الفهم المتبادل بين المؤمنين بتلك الرسالات، مما يترك مساحات من الجهل وسوء الفهم للآخر، تولد بدورها شكوكا وهواجس وتصورات نمطية متبادلة غير صحيحة غالبا ما تكون خاطئة أو ظالمة، بما يجعل الشجار لا الحوار طابع العلاقة بين المؤمنين بتلك الرسالات، وهو ما يستوجب الحاجة لصياغة صحيحة للعلاقة بين الإنسان والأديان، وبين الإنسان والإنسان تقوم على الإيمان بالله كمصدر لإقامة مجتمع إنساني يسود فيه الأمن والأمان.

وإحدى الإشكاليات التي لم تجد صياغة صحيحة في معظم المجتمعات الإنسانية هي العلاقة بين الدين والدولة من جهة، والعلاقة بين أمن الدولة وأمن الإنسان من جهة أخرى مما خلق إشكاليات مجتمعية كبيرة، وفي الغرب مثلا وفي ظل حضارة مادية براجماتية يسود نسق من القيم المادية، ويتوارى في نظمه العلمانية الحاكمة دور القيم الدينية في توجيه الحياة، بما خلق ظواهر اجتماعية من التطرف العلماني والتطرف الديني المضاد، وسلوكيات إنسانية تشبع ما هو مادي وتفرغ ما هو روحي فتصنع فقدانا للأمن وافتقارا للأمان.

وفي الشرق أيضا الذي هو مهد الرسالات السماوية العظمى، ومنبع الحضارات الإنسانية الكبرى، والذي يمثل الدين برسالاته الثلاث مصدر القيم العليا لشعوب الشرق كله،، حدث نوع من الارتباك في صياغة نظم الحكم التي جنحت لتقليد نظم وقوانين الغرب، في ظل العصر الاستعماري ومحاولات التذويب الحضاري والتغريب الثقافي، بما اصطنع تناقضات موهومة في علاقة الدولة بالدين، وفي علاقة أمن الدولة وأمن الإنسان!

في حين أن تلك العلاقات لا تناقض بينها تحت مظلة الفهم الصحيح والتطبيق الصحيح لمبادئ الإسلام العادلة التي تمثل المرجعية لكل من الحاكم والمحكوم، وتحمي حقوق الفرد والمجتمع، وتجعل أمن الفرد مساويا لأمن الجماعة، ونتيجة لهذا الارتباك في صياغة هذه العلاقات، نشأت ظواهر التطرف الديني، والتطرف العلماني، بين الساعين إلى تثبيت دور الدين كمرجعية عليا للحياة، وبين الساعين إلى إقصاء الدين عن الحكم وعن الحياة، أخذت في بعض الأحيان طابع العنف وطابع القمع!

وفي تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية لعام 2009 ما يشير إلى نتائج تلك العلاقة غير الصحية بين الدين والدولة وبين أمن الأوطان وأمن الإنسان بما يطرح مشكلات جديدة بحاجة إلى حلول صحيحة، حيث وصف التقرير العلاقة بين الدولة وأمن الإنسان بأنها غير سليمة، قائلا إن الدولة التي يفترض أن تضمن حقوق الإنسان، تمثل في عدة بلدان عربية مصدرا للتهديد ولتقويض المواثيق الدولية والأحكام الدستورية الوطنية!

وانتقد التقرير قوانين مكافحة الإرهاب في الدول العربية بتعريفها الفضفاض للإرهاب، والأحكام العرفية أو حكم الطوارئ بما يشكل تعليقا للحقوق والحريات، وتهديدا لأمن المواطنين داعيا هذه الدول إلى تعديل تشريعاتها وقوانينها بما يتفق مع اتفاقيات حماية حقوق الإنسان العالمية.

في النهاية.. القيم الدينية الصحيحة لاتشكل تهديدا لأمن الإنسان أو الأوطان، بل العكس هو الصحيح، والمطلوب هو تمكين ما هو صحيح لعزل ما هو خاطئ لفك الاشتباك بين الدين والدولة، حيث لا أمان بلا إيمان.