أسبوع دام في العراق ولا يقل مأساوية في أفغانستان ولكنه في الحالتين يجسد بوضوح فشل الاحتلال وتخليه عن مسؤولياته القانونية والدولية. فالعراق شهد سلسلة من الانفجارات راح ضحيتها مئات الضحايا من القتلى والجرحى بينما شهدت أفغانستان انتخابات رئاسية ومحلية يعرف القاصي والداني قبل أن تبدأ أن دور الناخب في تقرير نتيجتها محدود للغاية.
وفشل السياسة الأميركية هو العنوان الرئيسي في الحالتين. وهو في الحقيقة فشل لسياسة واحدة تم تجربتها في العراق ثم نقلت رغم فشلها لأفغانستان!
فقبل أن تترك إدارة بوش الحكم بل وحتى قبل أن تزيد قواتها في العراق كان البنتاجون قد اعتمد نهجا جديدا قام على ما يسمى إستراتيجية «ملاحقة التمرد» counterinsurgency. وهى الاستراتيجية التي تبنتها إدارة أوباما ولم تغيرها. ويتم تقديم تلك الاستراتيجية بالذات في الداخل الأميركي باعتبارها أكثر تحضرا واحتراما لحقوق الإنسان.
ويؤكد العسكريون الأميركيون أنها تسعى لحماية المدنيين عبر استهداف «المتمردين فقط». إلا أن العكس بالضبط هو الصحيح. فاستراتيجية «ملاحقة التمرد هذه صارت منذ حرب فيتنام بمثابة كلمة شفرية تثير فزع كل أصحاب الضمائر والمهمومين بحقوق البشر لأنها تقوم على الاستخدام المفرط للقوة ولكن يسهل التعتيم عليها إعلاميا فلا يعرف الناس عن نتائجها شيئا. وتقوم تلك الاستراتيجية على ركيزة أساسية هي النجاح في استقطاب الأهالي لمساعدة قوات الاحتلال.
ولكن المنطق الذي تقوم عليه هذه الاستراتيجية هو أن إقبال الأهالي على مساعدة قوات الاحتلال لا يتحقق إلا إذا اقتنعوا بأن الأخيرة تهزم المتمردين فعلا وتحصدهم حصدا في عمليات واسعة. عندئذ فقط ينخرط الأهالي في مساعدة قوات الاحتلال إما رعبا منها أو يأسا من نجاح مقاومتها أو رغبة في الخلاص من الدمار والقتل والترويع. لذلك تستخدم هذه الاستراتيجية القوة المفرطة لتحقيق أهدافها، الأمر الذي ينتج عنه خسائر بشرية ومادية مذهلة.
والحقيقة أن ما يحدث في العراق وأفغانستان لا يختلف كثيرا عن أداء الإمبراطورية الأميركية في أجزاء أخرى من العالم بل لعل الخطورة تكمن في أن ما تفعله أميركا في العراق وأفغانستان هو في الواقع إعادة إنتاج لسجلها الأسود في فيتنام وأميركا اللاتينية على وجه التحديد.
ففي العراق هناك تكرار لبعض من أسوأ ما فعلته أميركا في فيتنام وأميركا اللاتينية. فمنذ الغزو الأميركي للعراق قامت الولايات المتحدة بتدريب ما صار يعرف بفرق العمليات الخاصة العراقية.
وهى فرق ـ كما تقول تقارير منشورة ـ وصل عددها إلى 9 وقوامها نحو 5 آلاف جندي تتوزع اليوم على أقاليم العراق كلها. وهذه الفرق مسؤولة عن عمليات قتل وترويع تتسم بوحشية مذهلة.
وقد تم إلحاق تلك القوات الخاصة بمكتب أطلق عليه اسم مكتب «مكافحة الإرهاب« بشكل منفصل تماما عن قوات الجيش والأمن العراقية ولا يخضع لأية رقابة من البرلمان العراقي. وكل ذلك معروف تماما في أروقة الكونغرس الأميركي ونشرته تفصيلا عدد من الصحف الأميركية.
غير أن الأخطر من غياب المحاسبة هو أن الجنرال الأميركي الذي كان مسؤولا عن تدريب تلك القوات الخاصة هو نفسه الذي كان مسؤولا في أزمنة سابقة عن تدريب قوات مماثلة في أميركا اللاتينية. ولمن لا يعرف فإن القوات الخاصة هي تلك التي يناط بها العمليات السرية القذرة التي تتم في جنح الظلام ويروح ضحيتها الأبرياء دون أن يدري عنها أحد شيئا.
وقد ثبت بالوثائق أن تلك القوات كانت المسؤولة مثلا عن قتل 50 ألف مدني في السلفادور و140 ألف مدني في جواتيمالا. بعبارة أخرى فإن القوات الخاصة التي دربتها الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية بالطريقة نفسها التي دربت بها مؤخرا الشباب العراقي هي التي كانت مسؤولة عما عرف لاحقا «بفرق الموت« التي راح ضحيتها مئات الآلاف في أميركا اللاتينية من كولومبيا والسلفادور إلى جواتيمالا وغيرها.
وما يحدث في العراق في هذا الصدد تم نقله لأفغانستان بعد الإعلان عن السياسة الجديدة التي تبنتها إدارة أوباما فيها. فقد تقرر منذ بداية حكم أوباما رفع عدد القوات في أفغانستان عبر إرسال 17 ألف جندي إضافي وصارت السياسة الأميركية هناك تعرف باستراتيجية «أف ـ باك» إشارة إلى أفغانستان وباكستان معا.
وقد سلم أوباما القيادة في أفغانستان للجنرال ستانلي ماكريستال الذي كان مسؤولا عن العمليات الخاصة في العراق، وصاحب الخبرة الطويلة- كما سبقت الإشارة ـ في تدريب فرق الموت في أميركا اللاتينية، الأمر الذي يشير إلى أن عمليات القتل الواسعة التي تتم في جنح الظلام وبعيدا عن الإعلام وعن أية مساءلة سوف يتم نسخها ـ مرة ثانية ـ أي نقلها حرفيا إلى جبهة أف-باك.
الأسوأ من كل ذلك هو ما حدث من «عسكرة للساحة الأفغانية« مع حلول موعد الانتخابات الأسبوع الماضي، على حد تعبير الناشطة الحقوقية آن جونز. فبدلا من أن تساعد الانتخابات على الدفع نحو إرساء نظام مدني تحولت الانتخابات إلى لحظة تم فيها التوسع في دور الشرطة والجيش الأفغاني وزيادة عدد قواته بل والاستعجال في تدريب المجندين الجدد فيهما.
وتقول آن جونز ان أميركا قامت أيضا بتجنيد «قوات خاصة« من بين شباب ولايات الجنوب الأفغاني على غرار ما فعلت في العراق. بعبارة أخرى، نحن إزاء فرق موت أخرى لا تقل شراسة يتم تدريبها في أفغانستان أيضا. وفى الحقيقة فإن إدارة أوباما لم تستوعب الدرس في العراق.
كاتبة مصرية
