يصل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الى العاصمة البريطانية لندن اليوم في مهمة مزدوجة شقها الاول إجراء محادثات مع غوردون براون رئيس الوزراء، وشقها الثاني اللقاء مع السناتور جورج ميتشل المبعوث الامريكي لشؤون الشرق الأوسط.

مسألة الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي المحتلة تحتل المكانة الابرز في هذه المحادثات واللقاءات بشقيها البريطاني والامريكي، حيث سيركز نتنياهو على كيفية اقناع الطرفين بوجهة نظره المتعلقة بضرورة الاستمرار فيه ولو في حدوده الدنيا، خاصة في مدينة القدس المحتلة تحت ذريعة النمو الطبيعي للمستوطنات.

الموقف الامريكي - الاوروبي المتشدد في ضرورة تجميد الاستيطان بكافة أشكاله وضع نتنياهو وائتلافه الحاكم في وضع حرج للغاية، لأن البرنامج الانتخابي الذي وصل اليه هذا الائتلاف اليميني الى الحكم يرتكز على ضرورة التوسع الاستيطاني، وإخراج القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين من أي مفاوضات مع الفلسطينيين.

فأي تراجع في هذه القضايا الجوهرية يعني انهيار هذا الائتلاف، أو خروج الاحزاب الدينية المتشددة منه مما يضع نتنياهو أمام خيارين، فإما الاستقالة والدعوة الى انتخابات عامة، أو الدخول في ائتلاف مع حزب كاديما، والرضوخ لمعظم شروطه بالتالي.

الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، بما فيها حكومة كاديما برئاسة ايهود اولمرت، خدعت الامريكيين والاوروبيين طوال السنوات السابقة عندما لم تلتزم مطلقا بتعهداتها بوقف الاستيطان تحت ذرائع مختلفة، الامر الذي أفقد الفلسطينيين والعرب الثقة بالعملية السلمية، ووضع الجانبين في موقف حرج للغاية، كان من نتائجه تصاعد التطرف ووصول حركة 'حماس' الى الفوز في الانتخابات التشريعية الاخيرة بأغلبية كبيرة من المقاعد.

نتنياهو معروف بقدرته الفائقة على المراوغة، ومحاولة الالتفاف على القضايا الرئيسية، ولكن مجالات المناورة في مسألة الاستيطان بالذات باتت محدودة للغاية، فليس هناك مسألة رمادية، فإما تجميد الاستيطان بالكامل وإفساح المجال بالتالي لاستئناف العملية السلمية وفق خريطة الطريق، وإما الاستمرار فيه والدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الدولة الحامية والممولة لاسرائيل، وأحد أبرز اسباب وجودها في المنطقة.

داني ايالون نائب وزير الخارجية الاسرائيلي كشف بطريقة غير مباشرة يوم أمس عن موقف نتنياهو الحقيقي من هذه المسألة، عندما قال ان حكومته مصممة على سحب مسألة المستوطنات من المفاوضات وجعل البناء في الوقت نفسه في حده الأدنى، أي ان الاستيطان سيستمر بصورة أو بأخرى.

اننا لا نستبعد ان يحاول نتنياهو في محادثاته مع براون وميتشل التركيز على الملف الايراني النووي، واعطائه مركز الصدارة، وتأجيل ملف الاستيطان الى مرحلة لاحقة، باعتباره اقل اهمية، فقد تحدث اكثر من مرة عن ضرورة ربط ملف السلام في الشرق الاوسط بالملف النووي الايراني.

نتنياهو، وباختصار، يريد كسب المزيد من الوقت، وتمرير الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة، التي من المقرر ان تتوصل فيها الادارة الامريكية الى قناعة نهائية بفشل الخيار التفاوضي مع طهران، وتبدأ في بحث تطبيق الخيارات الاخرى مثل العقوبات الاقتصادية، وربما العسكرية ايضاً.

الحكومة البريطانية يجب ان تكون واعية لهذه المسألة، وان تتعامل بحزم مع نتنياهو، من حيث التمسك بالوقف الكامل للاستيطان، والعودة الى المفاوضات على اساس خريطة الطريق، خاصة بعد ان اوفى الطرف الفلسطيني بجميع التزاماته تجاهها.

الاسرائيليون خدعوا الغرب وامريكا كثيراً وحان الوقت لوضع حد لهذا الخداع المخجل والمهين بأقصى سرعة، ولعل البداية تكون اليوم في لقاءي نتنياهو مع براون وميتشل.