لا يختلف اثنان على حالة الفلتان التي أضحت السمة الرئيسية للسوق عندنا، زاد الفلتان ووصل أشده قبيل الشهر الكريم، ومشهد اليومين الماضيين ينذر بما هو أسوأ ويعيد إلى الواقع الصورة النمطية التي ترافق الشهر من غلو في الأسعار وزيادة بالغة تؤكد حالة واحدة لا ثانية لها حول جشع التجار في ظل غياب الرقابة على السوق.
لا أتحدث عن المواد الاستهلاكية التي تمكنت بعض الجمعيات التعاونية من تثبيت الأسعار وضبطها بل وخفضها أحيانا مع المواد الأساسية، لكن الحديث هنا عن المواد الاستهلاكية الرمضانية وبعض الخدمات التي ينتهز البعض الفرصة لتحقيق أكبر قدر من الربح في هذا الموسم مستغلين إقبال الناس على أطعمة تأخذ الصفة الرمضانية ولا تبرح مائدتها.
مناطق وأحياء عديدة تتخذ المطاعم الآسيوية وغيرها الأرصفة الأمامية لتقديم بعض المأكولات الرمضانية ومطابخ شعبية تقدم الأطعمة الشعبية وأنواع الخبز وكذلك محلات ومخابز الحلويات، فجأة ومن غير سابق زادت أسعارها ولا مبرر سوى حلول الشهر الفضيل وإقبال الناس على منتجاتها، على الرغم من أن نظام السوق يقول انه كلما زادت المبيعات انخفضت الأسعار فالزيادة في الطلب تغطي على انخفاض الأسعار وتحقق أرباحا طيبة متى ما كانت النفوس قانعة، أما والبعض لا يشبع فلا بد من إجراءات توقف هذا الجشع الذي وصل مداه.
فمن يصدق أن يصبح سعر «السمبوسة» الصغيرة ـ على سبيل المثال - وهي ليست أكثر من لفافة عجينة محشوة بالبصل تقلى في سمن تغير لونه لكثر ما قلي فيه بدرهم ودرهم ونصف الدرهم في بعض المحلات، أرفف المعجنات والحلويات يجد بها المستهلك عجب العجاب وكأن المحلات تتسابق لتغطية خسائر أشهر السنة خلال شهر رمضان.
مثل هؤلاء رفعت محلات الحلاقة النسائية على وجه الخصوص شعار الزيادة التي تشتد في نهاية الشهر مع استعداد الناس للعيد السعيد، أما أن تبدأ الزيادة منذ مطلع رمضان، فهذه البدعة الجديدة التي ابتلي بها السوق ونزلت وبالا على الناس.
لماذا لا تقف السلطات في وجه هذه الأمواج العاتية وتمنع أي زيادة أسعار في المواد الاستهلاكية أو الخدمات بدعوى زيادة الطلب والإقبال والموسم لتبرير زيادة جائرة تستغل حاجة الناس في شهر الرحمة، التي لا يعرف فيه البعض لهذه الصفة معنى وبالتالي لا التزام لما تحمله.
كل يدندن على ليلاه، وكل يجري وراء ما يحقق له مآربه، ترى من ذا الذي يبحث عن ليلى المستهلكين، ويقف في صفهم ويحمي حقوقهم ويدافع عما يحاول البعض المساس به.
نحمد الله على المؤسسات والهيئات الخيرية التي فتحت اذرعها للمحتاجين والفقراء والأسر المتعففة فاحتضنتها بما جادت بها نفوس المحسنين من الهبات والعطايا والتبرعات خففت عنهم وطأة الأسعار المشتعلة، ولكن تبقى هناك احتياجات لا تلبيها هذه التبرعات وتصبح في حاجة لأن يتمكن المرء من شرائها وتأمينها لأسرته، هي الرغبة التي تكون مؤجلة في ظل هذا الغلاء الفاحش.
