استعراض القدرة على ممارسة السيادة والتي شهدنا بعضا من فصولها مؤخرا بين روسيا وتشيكيا، ليس سوى استكمال لحالة التطور الجيو ـ سياسي المستمرة منذ حوالي عشرين عاما داخل ما كان يعرف سابقا بالمعسكر الاشتراكي ومنطقة شرق أوروبا على وجه الخصوص. وليست عملية تبادل طرد الدبلوماسيين التي بادرت بها تشيكيا وردّت عليها روسيا إلا جزءا بسيطا من مؤشرات الشد والجذب القائمة بين البلدين، والتي تجلّت صورها بأشكال مختلفة بين الفينة والأخرى.
وفي خضم المعركة الدبلوماسية ـ المخابراتية الأخيرة التي فسّرها كل طرف على هواه كما كان متوقعا، برزت في الأثير مجددا وقائع الخلاف الإيديولوجي القائم بين القوى السياسية في تشيكيا والمنعكس تاليا على المحيط الإقليمي الأوسع، لكن المتأثر أيضا بخارطة العلاقات الدولية في إطارها الأشمل.
فهذا الخلاف يتمحور في الجوهر حول عنوان أساسي يحاول كل طرف أن يجعل منه سلاحا بارزا في معركته الانتخابية، لكي ينطلق منها لاحقا إلى المرحلة التي ستلي، أي إلى مسألة صياغة القرار السياسي الذي سيحكم عمليا أداء السلطة التنفيذية والتوجه الذي ستنحوه البلاد خلال الأعوام المقبلة.
أما جوهر ذلك العنوان فينحصر في تحديد شكل العلاقة مع جمهورية روسيا الفدرالية والإصرار على إدخال تلك العلاقة في متاهات مختلفة تجعل من هذه الدولة العظمى حاضرة بقوة في تفاصيل العمل السياسي المحلي لتشيكيا أو غيرها من الدول المجاورة، مع وجود اختلاف بالطبع في كيفية مقاربة الدول لهذا الملف وفق طبيعة الأنظمة أو التحالفات السياسية السائدة فيها.
ما يدعو للانتباه هو أن هذا الجدل المترافق مع خطوات عملية جذرية كطرد للدبلوماسيين، يستعر في ظل ظروف تاريخية لافتة للنظر مترافقة كما أسلفنا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المبكرة في تشيكيا، لكن أيضا مع استمرار الحديث وإن بوتيرة أخف عن الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، والتي لا تزال على ما يبدو جزءا رئيسيا من معادلة الصراع القائمة في وسط أوروبا من جهة، وبين روسيا والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.
فما هي هذه الظروف وهل تعتبر من الأهمية بمكان لكي تستأهل الإضاءة عليها؟
يبدو حتى الآن بأن أبرز تحرّك لافت في هذا السياق هو ما تنفّذه بعض القوى السياسية ذات الهوى اليميني في شرق أوروبا والمعروفة بولائها الإيديولوجي المطلق للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وأقصد بذلك تحديدا القوى التي كان لها دور بارز بتحريك الرأي العام المحلي وبقيادة حركات التغيير التي شهدتها أوروبا الشرقية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية السابقة. وهي تمتد من دول البلطيق الثلاثة المحاذية لروسيا، مرورا ببولندا وانتهاء بتشيكيا، وتضم شخصيات لافتة مثل فاتسلاف هافل وليخ فاليسا وألكسندر كفاشنييفسكي، بالإضافة للرؤساء الحاليين لبولندا ودول البلطيق المذكورة.
هذه القوى والشخصيات تعتمد في تحركها على بعض الأحزاب والحركات السياسية التي لا تزال فاعلة في العمل السياسي ومعظمها ممّن ينتمي إلى التيار الإيديولوجي اليميني باتجاهاته المتنوعة، باعتبار أن معظم القوى اليسارية، الاشتراكية الديمقراطية أو الشيوعية أو غيرها، لا ترى الأمور المرتبطة بالعلاقة مع روسيا من نفس المنظار السلبي، وبالتالي تختلف بشكل جذري مع القوى اليمينية تكتيكيا واستراتيجيا أيضا.
اللافت في ما يجري هو أن هؤلاء أطلقوا العنان لتحركهم مؤخرا بشكل واضح مع ازدياد نسبة المؤشرات التي تدل على احتمال حدوث تغيير معيّن في مسار التحرك السياسي والدبلوماسي الأميركي تجاه روسيا، انطلاقا من الوضع «الإيجابي» الذي تحاول إدارة الرئيس أوباما تكريسه في دائرة العلاقات بين البلدين.
هذا يعني في الحد الأدنى بأن القوى والشخصيات المعنية باتت تتعامل مع التحرك الأميركي الإيجابي وكأنه نوع من التهديد لدولها أيضا، لأنها تؤمن في غياهب أفكارها الإيديولوجية أن أي تطبيع مع روسيا سيشكّل خطرا كبيرا على قرارها الوطني والذي طالما حلمت بأن يكون مستقلا وبعيدا عن دائرة النفوذ الروسي.
ولعلّ الخطورة في ما تطرحه تلك القوى والشخصيات هو الدعوة بشكل واضح لإبقاء روسيا في ما تسمّيه دائرة الضغط، لمنعها من تمديد نفوذها وإظهار مطامعها بشكل أوضح، وهو ما ظهر في الرسالة المفتوحة التي وجّهوها مؤخرا إلى الإدارة الأميركية.
فبالرغم من اقتناع هؤلاء بأن بلادهم قد قطعت شوطا كبيرا في عملية تحقيق الحلم الانتمائي والاستقلالي خلال العشرين عاما الماضية من خلال الانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، لكنها لا تزال تعيش في ظل وهم كبير اسمه الخطر الروسي المحدق بالقارة الأوروبية من أقصاها إلى أقصاها.
أمام هذا الواقع الفريد جاء الحدث الانتخابي في تشيكيا ليوضح طبيعة الصراع بشكل أفضل، حيث إن العنوان الروسي فيه بدا ساطعا ومجردا من أية اعتبارات دبلوماسية في ظل المعركة التي اندلعت بين أجهزة مخابرات البلدين. فالساحة انقسمت هنا بشكل واضح بين اليسار المنادي بعلاقات طبيعية مع روسيا نظرا لما سيكون لذلك من منافع اقتصادية ودبلوماسية كبيرة، وبين اليمين بكافة أقطابه الذي يصر على دعواته لمحاصرة روسيا حتى «تستكمل عملية تطورها الديمقراطي» كما يحلو للبعض هنا أن يقول.
وفي ظل الاتهامات التشيكية الجديدة التي تدّعي بأن روسيا مارست من خلال دبلوماسييها نشاطا تجسّسيا للتأثير على عملية صنع القرار السياسي في البلاد ارتباطا بقاعدة الرادار الأميركية تحديدا، فإن حلول ذكرى «ربيع براغ» من عام 1968 واستذكار القمع الذي تعرضت له الحركة الإصلاحية على يد جيوش الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، إنما يؤشر إلى استمرار ارتفاع وتيرة الجدل السياسي بخصوص العلاقة مع روسيا لأن البعض سيصر على ربط تجارب الماضي بالحاضر.
فما نشهده في واقع الأمر هو خلاف إيديولوجي وانتمائي، لا دبلوماسي فقط.
كاتب لبناني
