تثير التفجيرات الدموية في العاصمة العراقية بغداد والمحافظات الأخرى الكثير من التساؤلات المحيرة عن حقيقة الوضع في العراق. بالذات من المسؤول عن هذه التفجيرات التي تقع بشكل انتقائي لا يستطيع القيام بها إلا من كان نافذاً في السلطة وعارفاً عالي الدقة بديمغرافية المكان.
ما مدى عمق تأثير معضلة تؤدي بصاحبها إلى ارتكاب أعمال إبادة جماعية لا تفرق بين الصغير والكبير والاتجاه المذهبي والفكري؟!. ثمة من يقدر على جلب حافلات محملة بعشرات ومئات الكيلوغرامات من مادة الديناميت ويفجرها في أكثر مواقع بغداد تحصيناً ومراقبة أمنية على مدار الساعة؟!.
طبيعة التفجيرات هكذا تجعل من أمر التوظيف السياسي في حكم الغاية والهدف والاستفادة وحتى النجاح. بدوره ذلك ما يضيف تأزماً وتخبطاً على الأوضاع غير المستقرة منذ البداية. تتوزع سيناريوهات المسؤولية المختلفة على كل من له رأس أو قدم أو يد أو إصبع أو حتى وجهة نظر في العملية السياسية الهشة الواهنة منذ ولادتها مع الغزو الأميركي.
الاتهام الأول والأكثر قبولاً منطقياً في المسؤولية يذهب إلى الاحتلال الأميركي المعروف بعنجهية وجرائم ضد الإنسانية على مدى أكثر من ست سنوات. بالرغم من إعلان الانسحاب الأميركي من المدن إلا أن ذلك قطعاً لا يلغي تواجده الأمني والسياسي والاستخباري الحاسم الفعال فيها. القرار السياسي والأمني والإداري في جل الأمور في العراق لا يزال بأيدي المحتل الأميركي. الحديث عن جهات خارجية تجرؤ على هيبة وبطش الاحتلال الأميركي هو بمثابة مجافاة وتنكّر للحقيقة.
السيناريو الثاني هو دور إيران في زعزعة استقرار العراق لصالحها. المعروف أن إيران هي من أكثر المستفيدين ميدانياً! من احتلال العراق. كل الأحزاب التي كانت تتخذ إيران مقراً أو مستقراً أو منطلقاً لأعمالها قبل الاحتلال وجدت نفسها على قمة هرم السلطة في عراق ما بعد الاحتلال.
بعد بدء تخلي الإدارة الأميركية غير المعلَن عن تلك الأحزاب، الراديكالية بامتياز، عاد المعارضون للحكم الجديد للسلطة والنفوذ إلى المراكز الحساسة في الإدارة وصنع القرار. بالذات عاد البعثيون لأخذ مناصب في الجيش والأمن والعمل الاستخباري في الدولة. على الأقل هذا ما تزعمه شخصيات العهد الجديد للعراق التي أتت بعد الإطاحة بالنظام السابق. حقيقةً هذا زعم لم يأت من فراغ وقد يفسر حالة الارتباك والتخبط الإضافي التي وقعت فيها القيادة الجديدة للعراق.
وصول شخصيات من حزب البعث الحاكم سابقاً إلى مواقع حساسة في السلطة يثير حفيظة بل جنون القوى المناوئة له. هذه القوى عانت كثيراً فيما سبق في مقارعتها للنظام المخلوع. بالتعاون مع إيران التي تواجه وضعاً غير مسبوق من الحصار والتضييق والتأزم قد يجعلها تقدم على أعمال في عداد الانتحارية، سياسياً ونفسياً ومعنوياً. ذلك لتحميل الاحتلال مسؤولية تردي الأوضاع بحجة غض الطرف عن العودة الخفية والبطيئة ثمة الجريئة ل«أزلام النظام السابق».
هذا ما يثير كافة التشنجات والتوتر بين الأعداء والأصدقاء والخصوم والمناوئين ويجعل الأمور تسير باتجاه المزيد من التصعيد وأعمال الفوضى البنّاءة المعهودة. في ذلك يختلط الحابل بالنابل وتصبح معظم سيناريوهات تفسير حوادث العنف في حكم المعقول وبحالة متساوية.
السيناريو الثالث هو اتهام المعارضة الجديدة للحكم الجديد والمتمثلة بأنصار النظام السابق والمقاومة العراقية ضد الاحتلال. هذا الاتهام يفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية. لا يوجد حتى الآن دليل مادي واحد في سجلات السلطة العراقية الحاكمة يعتمد على وقائع مادية ومنطقية ملموسة. طيلة سنوات من الحكم وتوجيه الاتهامات بقيت عبارات من مثل «التحالف التكفيري ـ البعثي» هي كل ما لدى السلطة لتقديمه للرأي العام الداخلي والإقليمي والدولي.
لم تقدم الأجهزة الحكومية أي دليل يعتمد على فحص المواد المتفجرة مثلاً ولا أحماض ال«دي إن إيه» من أجساد عشرات ومئات الانتحاريين المفترضين! الذين ضحوا بأنفسهم على مذبح تحالف «القاعدة ـ البعث» الدموي. على العكس من ذلك اتسعت دائرة الاتهام واستعداء الآخرين للنظام «الديمقراطي» العتيد في بغداد.
لا يختلف اثنان من المراقبين على أن العراق مستهدف غربياً وإسرائيلياً وإقليمياً ومن كافة الجهات المحيطة بالعراق، تقريباً. العراق كعكة ديمغرافية فريدة من نوعها ومدعاة للصديق والعدو والجار والقريب والبعيد للولوج في متاهاتها.
أدخلت هذه المجموعة أنوف وأصابع وأذرع لها في المشهد العراق يجعل من احتمال تورطها في مثل هكذا أعمال عنف أمراً ممكناً. يحدث ذلك بشكل مباشر أو عن طريق أعوان أو أنصار دخلوا أو أُدخلوا إلى الساحة العراقية لهدف معروف مسبقاً، أو تمت معرفته فيما بعد.
وصلت أعداد ضحايا الحرب على العراق إلى الملايين. تتوزع الضحايا بين القتلى والجرحى والمعتقلين والخاسرين لبيوتهم والمهجّرين والنازحين. الحالة في العراق باتت شديدة التفرد. عملية سياسية وُلدت غاية في التشويه وتستمر في زيادة العبثية وحلكة المصير المجهول. في ظل غياب مصالحة وطنية حقيقية بات كل طرف صالحاً لتوجيه إصبع الاتهام له بإمكانية ضلوعه في حوادث عنف دموية على هذا المقياس الكبير.
أجّجت التفجيرات الأخيرة حالة التطرف والانقسام السائدة لدى الطبقة السياسية الحاكمة. هذه علامة نهائية على بدء تهاوي أو سقوط النظام السياسي الذي بدأ عبثياً عقيماً وانتهى به الحال إلى طريق مسدود. نظام سياسي في القرن الواحد والعشرين مبني على المحاصصة الطائفية! ثقيلة الظل والوطء على الجميع. فقط أدى هذا النظام إلى تقسيم وشرذَمة العراق مذهبياً وعرقياً وسياسياً. وضع حقيقة إذا ما قورن بنظيره قبل الاحتلال تصبح عبارة من مثل زنار الدكتاتورية تلك ولا جنة الديمقراطية! هذه».
واقعياً في العراق الجديد لا توجد ديمقراطية بل دكتاتورية من نوع آخر. تم استبدال دكتاتور واحد بعدد لا حصر له من الدكتاتوريين بأشكال وألوان ومقاسات مختلفة. كان الله تعالى في عون الشعب العراقي سابقاً والآن ولاحقاً.
جامعة الإمارات