تركيا بحكم موقعها الجغرافي، وتفاعلها مع أزمات الشرق الأوسط المتعددة، تحولت إلى بوابة للهجرة السرّية إلى أوروبا، حيث يتدفق المهاجرون إليها الفارين من آفات الحروب والصراعات الأهلية والعنف السلطوي المنتشرة في كل من أفغانستان وباكستان إيران والعراق، وحتى من القارة الإفريقية،ولكل من هؤلاء أسبابه سواء منها السياسية أو الاقتصادية والإنسانية.

ومن تركيا ينتقل المهاجرون السرّيون إلى اليونان، التي تحولت بدورها إلى أحد الطرق الرئيسة للدخول إلى فضاء شينغان: فقد اعتقلت السلطات اليونانية ما يقارب 150000 مهاجر سرّي في سنة 2008، جاء معظمهم من تركيا.

وهذا ما جعل اليونان تنتقد النزعة التَسَاهُلِية لتركيا إزاء هؤلاء المهاجرين السرّيين، حيث تضع هذه الأخيرة المشكل في إطار أوسع، ألا وهو انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

وتواجهه اليونان تدفقاً كبيراً من المهاجرين السرّيين، الذين تعتبرهم المسؤولين الرئيسيين عن الاندفاعة الانتخابية القوية لليمين المتطرف، وعن العديد من الاعتداءات العنصرية ضد الأجانب.وبالمقابل ترفض تركيا أن تتحول إلى أكبر مخيم للاجئين في العالم حسب قول الوزير التركي المكلف بالشؤون الأوروبية، وهي ترّد بقوة على الضغوطات المتكررة التي تمارس عليها من اليونان والاتحاد الأوروبي، والتي في جو

وتنتظر تركيا المزيد من الضمانات من جانب شركائها الأوروبيين حول المحادثات بشأن الإصلاحات المتعلقة بسياسة الهجرة، إذ تخشى أن تصبح منطقة انتظار جديدة على حدود الاتحاد الأوروبي، في ظل غياب الآفاق الجدية لانضمامها. كما أن السلطات التركية تخشى من أن يُحَوِّل مثل هذا الاتفاق تركيا إلى منطقة عازلة للمهاجرين السرّيين، والمرفوضين من طالبي اللجوء السياسي إلى الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن التكلفة لهذه الإصلاحات العميقة ثقيلة جداً بالنسبة لتركيا، التي تتبرّم من تغيير سياستها المقيّدة جداً لمنح اللجوء السياسي، إذ إن الدولة التركية لا تمنح اللجوء السياسي إلا للمواطنين الأوروبيين.وهي ستكون مجبرة أيضاً على إعادة النظر كليا في نظامها لمنح التأشيرات، الذي يعتبر ليِّناً مع جيرانها، الأمر الذي سيلقي بآلاف الأجانب في حالة من عدم الشرعية القانونية، وهذا سيكون له آثار اقتصادية مدمرة.وتقول السلطات التركية أن أوروبا تريد أن تحملنا الإسقاطات المدمرة لسياستها المتعلقة بالهجرة.

وتحول الصيف من جديد إلى موسم للكوارث الإنسانية الناجمة من الهجرات السرّية عبر البحر المتوسط، وهذا ما جعل المجلس الأوروبي في اجتماعه الأخير يركز على هذا الموضوع. بيد أن احتلال موضوع الهجرة السرّية جدول أعمال المجلس الأوروبي يتضمن ثلاثة أخطار، تتطلب والحالة هذه تجنبها.

الخطر الأول ويتمثل في الرؤية السلبية لموجات المهاجرين، التي تُسَرِعُ من وتيرتها الأزمة الاقتصادية المالية والاقتصادية العالمية.وتقول أوروبا أنها بحاجة إلى الهجرة لكي تتجنب ما تعتبره الانهيار الديموغرافي الناجم عن شيخوخة السكان، والذي يهدد الاقتصاديات وأنظمة الحماية الاجتماعية الأوروبية. أما الخطر الثاني فيتمثل في المزج بين الهجرة واللجوء، الذي أصبح أكبر بكثير من الطابع المركب لموجات المهاجرين القادمة إلى أوروبا. فالمهاجر الاقتصادي ليس هو اللاجئ الهارب من بلاده، والمهدد بالتعذيب الناجم من الحروب أو القمع المسلط على الأقليات. وأخيرا الاعتقاد الناجم من أن إدارة موجات المهاجرين وطالبي اللجوء يمكن معالجتها في الإطار الوطني، من دون تنسيق وثيق على مستوى أوروبي.

وبقدر ما تنادي أوروبا بانتهاج سياسة تضامن حقيقية انطلاقا من قيم احترام حقوق الإنسان والتسامح والحرية التي تشكل أساس الاتحاد الأوروبي، بقدر ما تطالب بخوض معركة لا هوادة فيها ضد عصابات تهريب المهاجرين، التي تستغل المآسي الإنسانية، إذ بلغ عدد الذين لقوا حتفهم وهم يحاولون عبور البحر المتوسط ما يزيد عن 4000 مهاجر سري منذ سنة 2002. وهذا يتطلب من الاتحاد الأوروبي انتهاج سياسة تعاون حقيقية مع بلدان جنوب المتوسط لمقاومة ظاهرة الهجرة السرّية التي تضعف وضع المهاجرين النظاميين في أوروبا.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org