في ثالث رسالة إلى العالم الإسلامي، هنأ الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما المسلمين في العالم بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، قائلاً باللغة العربية: «رمضان كريم»، ومشيراً بالإنجليزية إلى أن شعائر شهر رمضان «تذكرنا بالقيم والمبادئ المشتركة، كما تذكرنا بدور الإسلام في نشر العدالة والتقدم والتسامح واحترام حقوق الإنسان».. وهذه بادرة رئاسية أميركية جديدة وجيدة، توجب على المسلمين رد التحية بأحسن منها، وتحية الإسلام هي السلام..

ومؤكدين له ما لا يمكن أن يغيب عن فكره المتوازن والناضج، بأن السلام لا يقوم إلا على الحق والعدل، ومطالبين أميركا بترجمة وتطبيق هذه القيم والمبادئ المشتركة، بنشر العدل واحترام حقوق الإنسان، وبإنهاء الحروب ووقف سفك الدماء في فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان، وإنفاق أموال الحروب في البناء والتنمية، بدلاً من الدمار والقتل الذي يولد التطرف ويضاعف الإرهاب.

وحينما يقول أوباما إن «رمضان هو شهر القرآن الكريم، الذي أنزل على النبي محمد»، وأن رمضان هو «شهر للاحتفال الإنساني بقدر ما هو شهر للعبادة الدينية».. فإن هذا خطاب أميركي محترم نقابله بكل تقدير، لأنه خطاب مسيحي متقدم في فهم أن القرآن الكريم رسالة سماوية، وليس «نصاً أدبياً أو تاريخياً»، وفي الإقرار بمحمد كنبي وليس كمصلح اجتماعي، وبالإسلام كدين سماوي وليس كمشروع طائفي، مثلما يزعم بعض غلاة المتطرفين العلمانيين من تلامذة الغرب في الوطن العربي!.

ونحن لا نشكك في تأكيد الرئيس أوباما على التزام الولايات المتحدة بمسؤوليتها في بناء عالم أكثر سلاماً وأمناً، ولكننا نؤكد له أنه لا سلام ولا أمن يمكن تحقيقه في غياب إعادة الحقوق وإقرار العدالة ووقف العدوان، مدركين أنه يعبر عن أوباما رجل القانون والمتطلع للعدالة والساعي للسلام والحوار، بأكثر مما يعبر عن مؤسسات المجتمع الأميركي الذي تتحكم فيه مصالح اللوبيات المختلفة الدافعة للحرب والمنكرة للحق والمنحازة ضد العدالة، بل والمناهضة لتوجهات وقيم أوباما نفسه، وندعو الله أن يكون في عونه.

وحينما يجدد أوباما ما أكده في رسالته الأولى في أنقرة ورسالته الثانية في القاهرة: «التزام أميركا بفتح صفحة جديدة مع المسلمين على قاعدة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، عبر الإصغاء والتعلم مع بعضنا البعض، واحترام كل منا للآخر، والسعي للتوصل إلى أرضية مشتركة».

فنحن نقدر له عالياً هذا الخطاب العالي القيمة، ونؤكد أن المسلمين الحقيقيين لا يعادون غير المسلمين ولا الشعوب الغربية والأميركية، بل هم الذين وقع عليهم العدوان بأخطاء السياسات الغربية والأميركية المجافية للحق والعدل باسم الصليبية والصهيونية، ويتوقون إلى قيامكم بتصحيحها.

إن فهمنا كشعوب للإسلام كخاتم الرسالات، يوجب علينا الإيمان بكل الرسالات السماوية اليهودية والمسيحية، وبكل الأنبياء والرسل إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، ولأننا نؤمن أن مصدر الرسالات السماوية واحد، نعتقد أن ما يجمعها من قيم روحية وإنسانية أكثر مما تختلف عليه في المفاهيم العقائدية، وأنه مع احترامنا لاختلافها العقيدي، لا نرى ما يستوجب العداء ولا الكراهية بينها، ولا ما يمنعها من الفهم المتبادل بالحوار، والتعايش المشترك بالعمل المشترك، انطلاقاً من الأخوة الإنسانية وسعياً للمصالح المشتركة لكل البشر.

لكن مسؤولية الكبار أكبر، ومسؤولية الأقوياء أكبر، ومسؤولية الأغنياء أكبر، وصولاً إلى مجتمع إنساني عالمي حر وعادل آمن من الجوع وآمن الخوف، تحكمه المبادئ السماوية المشتركة، تحقيقاً للمصالح الإنسانية المشتركة.. وصولاً لعالم أكثر عدلاً وأكثر أمناً وأكثر سلاماً.. والسلام.

mamdoh77t@hotmail.com