مواصلة الكيان الإسرائيلي التهام الأراضي الفلسطينية عبر سرطان الاستيطان في القدس المحتلة وأراضي الضفة الغربية لا تشكل تحديًا للجهود الدولية وفي مقدمتها جهود الرئيس الأميركي باراك أوباما فحسب، بل أيضًا تشكل استخفافًا بكل المساعي العربية والدولية المبذولة في هذا الاتجاه.
حيث طرحت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة مشروعًا استيطانيًّا جديدًا في القدس الشرقية المحتلة ويشمل بناء 104 منازل وكنيس يهودي ومسبح وحمام يهودي في قلب حي رأس العمود حيث يعيش 14 ألف فلسطيني. وقد قام الكيان الإسرائيلي إلى الآن ـ حسب حركة السلام الآن الإسرائيلية ـ ببناء حوالي 600 وحدة سكنية في الكتل الاستيطانية التي يتواصل فيها البناء بدعم الحكومة اليمينية المتطرفة وبشكل خفي في المستوطنات المعزولة.
وفي الوقت الذي تنشط فيه عمليات الابتلاع المتسارعة للأراضي الفلسطينية، يثير وزير خارجية الكيان الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان الشكوك في وجه رؤية الرئيس أوباما لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي المتمثل في حل الدولتين، زاعمًا أنها رؤية غير واقعية، ومستبعدًا التوصل إلى اتفاق سلام حتى بحلول عام 2025.
زاعمًا أنه "عندما وقع الكيان الإسرائيلي اتفاقات أوسلو عام 1993 كان اعتقاد المسؤولين الإسرائيليين أنه بإمكان التوصل إلى اتفاق شامل في السنوات الخمس التالية، ولكن مضى على ذلك 16 عامًا وحتى إذا انتظرنا 16 سنة إضافية لن نتوصل إلى اتفاق"، طبعًا مثل هذه التصريحات تنطوي على مغالطات كبيرة، وتتضمن في الوقت عينه نوايا خبيثة أو بالأحرى تكشف عن حقيقة العمل الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة، وتكمن هذه المغالطات أنه منذ اتفاقات أوسلو وما استتبعها من معاهدات ومبادرات ولقاءات ثنائية وثلاثية ورباعية وإلخ.
ومن خطة طريق ظلت وإلى الآن محل تلاعب، واستغلها الإسرائيليون كأحجية ودمى يداعبون بها مختلف الأطراف بمن فيهم العرب والفلسطينيون، هذا التلاعب أكد عدم الجدية الإسرائيلية، وإنما كان من قبيل استغلال عامل الزمن في سرقة الأرض الفلسطينية، والعمل من أجل التمهيد لما يسمونه اليوم (الدولة اليهودية) التي بإعلانها ومطالبتهم الاعتراف بها في الأوان الأخير كشفوا حقيقة نواياهم وعدم جديتهم.
وبناء على ما جاء على لسان الوزير المتطرف ليبرمان من أنه حتى لو انتظر الجانب الإسرائيلي ستة عشر عامًا أخرى لن يتم التوصل إلى اتفاق سلام فإنما يريد التأكيد على أمر مهم أنهم مستعدون لجعل جميع الأطراف الدولية تدور في حلقة مفرغة سنوات وسنوات إلى أن يكتمل حلم (الدولة اليهودية) الكبرى.
وتكتمل عمليات التهويد وإقامة الهيكل المزعوم، إلى جانب أن الإسرائيليين بهذا التصريح يريدون أيضًا بث مشاعر التيئيس في أنفس المتحمسين لعملية السلام وعلى رأسهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبالتالي فإن التشكيك في رؤيته للحل إنما يدخل في إطار محاصرة أوباما ومنعه من التحرك يمينًا أو شمالاً لاستكمال رؤيته للحل وإنجاحها، ما يضاعف حجم المتاريس الموضوعة أمامه هذا من جهة، ومن جهة أخرى هي محاولة للضغط على أوباما للقيام بدور ضاغط تجاه العرب للاستجابة للإملاءات الإسرائيلية وفي مقدمتها التطبيع، بحيث إنه حتى لا نظل ندور في حلقة مفرغة ستة عشر عامًا إضافية علينا القبول بالمطالب الإسرائيلية لكسر الجمود.
إن الرضوخ لإملاءات المتطرفين الإسرائيليين الكارهين للسلام أمر مهين للكرامة ولعزة النفس وفيه إهانة للمجتمع الدولي والأطراف المحبة للسلام والساعية إليه، ما يفرض ضرورة تضافر الجهود الدولية لممارسة كمية كبيرة من الضغوط لإجبار الكيان الإسرائيلي للاستجابة لمطالب المجتمع الدولي وتنفيذ استحقاقات السلام، وقطع المعونات الأميركية للكيان الإسرائيلي يجب أن يكون أحد الخيارات المطروحة بقوة لدى الرئيس أوباما، فلا بد من رد فعل لكل فعل إسرائيلي منافٍ للسلام, إذا كان الرئيس الأميركي صادقًا وجادًّا حقًّا في مساعيه السلمية, ولا يناور كما كان حال سلفه سيئ الذكر جورج دبليو بوش!
