حادثة بسيطة في مجرى الأحداث التي تطوق الأمة العربية عندما نشرت صحيفة سويدية كبرى، تقريراً عن متاجرة الإسرائيليين بالأعضاء الفلسطينية، ولأن الهمّ العربي تعامل مع الموضوع بنشر الخبر، وكأنه يحدث في "زيمبابوي" أو جزيرة نائية في أحد المحيطات، فإن إسرائيل أقامت العالم كله بالتكذيب والاتهام باللاسامية، وعدوانية الصحيفة ومن يوالونها من الشعب السويدي، لأن هذه الواقعة تمس ضمير الشعوب الواعية، وتتعامل معها بأنها جرائم أخلاقية وإنسانية يحاسب عليها فاعلها، وهنا السبب في الهجوم المضاد من إسرائيل وتجييشها كل قواها في العالم ضد الصحيفة والصحفيين، ومعهما كل الشعب والحكومة السويدية..
الأغرب أن هناك حادثة أكبر وأعم لحاخامات يهود قبض عليهم في أمريكا يتاجرون بالأعضاء البشرية وغسيل الأموال، ومخالفات قانونية متعددة، ومع ذلك لم يأت رد الفعل الإسرائيلي مساوياً لردها على السويد، والفارق هنا أن أمريكا تعتبر خط حماية لها حتى في تعدياتها عندما سرق الجاسوس الشهير ضابط لحرية "جوناثان بولارد" معلومات خطيرة سربها إلى إسرائيل ولا يزال معتقلاً بهذه التهمة، ومن هنا السكوت على حالة الحاخامات التي يمكن تسويتها بالضغوط من الداخل الأمريكي، ونسيانها، أو حفظها في أرشيف المنسّيات..
هناك منصفون في العالم يعلنون أصواتهم في جرائم إسرائيل، وآخرها حرب غزة عندما اقتحمت شخصيات عالمية الحصار، وبعضها جلب مواد غذائية وطبية رمزية لإثبات مواقفهم مع الشأن الفلسطيني، غير أن العرب والمسلمين الذين غرقوا في ظروفهم الحادة تعاملوا بعدم اكتراث مع الحادثتين، بينما لو رافقهما تصعيد منظم من قبل السفارات الإسلامية والتعامل مع منظمات دولية كحقوق الإنسان وغيرها، وتم إعطاء معلومات لوسائل النشر الحرة في كل دول العالم وتبنينا محطات فضاء محايدة بالنسبة للخلافات العربية.
وجهزناها بمحترفين في قراءة اتجاهات الرأي العام العالمي، واستطعنا اقتحامه بالوقائع الثبوتية، لربما وصلنا إلى درجة مقبولة مع إسرائيل التي تعد الأهم في استخدام وسائل التضليل والإقناع لدرجة أن أي مفكر أو عالم، أو صحفي يتجرأ على ما تعتبره خطها الأحمر، كثيراً ما يقدم للمحاكمات أو المنع من الكتابة بالصحف أو المؤلفات، وأحياناً تصل إلى الإدانة بكسر المحرّم وعدم الاعتراف بمحارق النازيين، أو الكليشة المعروفة بمعاداة السامية عندما يتجرأ إنسان على نكرانها..
مهارة الأداء في سوق الدعاية والإعلام ، والتأثير المباشر على الرأي العام، وسائل لا يتقنها العرب بتاتاً، بينما لو وجِد من يدين أو يتعاطف مع الصهيونية أو اليهودية، وحصل على ميدالية رياضية، أو نجاح مؤلف أو لوحة في معرض عالمي، فإن إسرائيل تطوّع جميع وسائلها في رفع مستوى تلك الفئات، واعتبارها معالم في التفوق العقلي، بينما حصول أحمد زويل العالم المصري، أو نجيب محفوظ على جائزة نوبل، يعد بالنسبة لنا مجرد تكريم يثيرنا في لحظة ما، ولكنه يُنسى في اللحظة الثانية..
