»فترة انتظار..» هو العرض الإسرائيلي للإدارة الأميركية الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام، ويتم بموجبه تأجيل البت في مناقصات البناء الاستيطاني في الضفة إلى مطلع السنة المقبلة.

وهذا العرض هو حصاد الضغوطات الأميركية (المزعومة) منذ بداية إدارة الرئيس اوباما على إسرائيل (أي منذ مطلع العام/2009) كي تجمد عملية الاستيطان في القدس وأنحاء الضفة.... تصوروا...وأي انتظار...؟!.

فبدل أن يكون الانتظار فلسطينيا عربيا مشتركا يتابع فيه الجميع ما إذا كانت إسرائيل ستتخذ خطوات جادة وحقيقية في مسألة تجميد الاستيطان، نرى أن إسرائيل هي التي تنتظر وتتابع وتحاكم...!

فهي-أي إسرائيل- توقف- تصوروا...! الاستيطان حتى نهاية العام /2009 لتكون في حالة استنفار وانتظار لما سيقدمه الفلسطينيون والعرب لها من تنازلات على مستوى التطبيع. ورغم الالتباس الذي يحيط بالموقف الإسرائيلي حول مسرحية تجميد الاستيطان، إلا أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، سارع ليعرب عن رضاه- يا الله- خلال استقباله للرئيس المصري في البيت الأبيض، قائلا:الخطوة في الاتجاه الصحيح، داعيا الدول العربية والفلسطينيين- وهذا الأهم ومحط الانتظار الإسرائيلي- إلى اتخاذ خطوات مماثلة-أي ايجابية- تجاه إسرائيل، مضيفا: لدي أمل في رؤية خطوات، للمضي قدما وإحراز تقدم في مجال الأمن وفي أن تظهر الدول العربية حسن نية تجاه إسرائيل».

وأعلن رومان نادال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية: أن فرنسا تأمل في أن تترجم إرادة إسرائيل بوضع حد للاستيطان في الضفة الغربية واقعا على الأرض وان تشكل «مرحلة أولى نحو تجميد تام للاستيطان».

الكاتب والمحلل الإسرائيلي عكيفا الدار لخص حصاد سنوات المفاوضات في مقال نشر في هآرتس تحت عنوان:» يعطون- أي الفلسطينيون- ولا يأخذون- شيئا من إسرائيل» قال فيه:إن 16 عاما من العملية السياسية تمخضت عن فأر.وكيف لا...؟!.

فرغم التهافت العربي على السلام والتطبيع، وهذا الغلاسنوست غير المنطقي وغير المبرر وغير المقبول مع إسرائيل، فان ذلك لا يكفي عند الرئيس اوباما ولا عند إسرائيل، فالرئيس يريد أن تظهر الدول العربية حسن نية، ولا ندري ما هو حد وسقف وطبيعة حسن النية هذا..؟!.

وبالتأكيد سوف يترك الأمر لإسرائيل كي تحاكم هي إلى أي حد وصلت مبادرات وتنازلات حسن النية العربية، وبالتأكيد لن ترضى إسرائيل ولن تكتفي إلا بالمزيد والمزيد...!.

الأصل في الحكاية كلها، أن إسرائيل قامت عبر السطو المسلح في وضح النهار، على أنقاض وخراب فلسطين العربية وشعبها الملجأ من أكثر من واحد وستين عاما.والأصل أن القدس والضفة الغربية هي أراض محتلة وفق الشرعية الدولية. والأصل أن دولة الاحتلال يجب أن لا تقوم بأي عمل يغير من الواقع ومن الخريطة الجيوسياسية لهذه الأراضي، أي أن كافة ممارسات الاحتلال من حروب عسكرية واقتصادية واستيطانية وتوراتية في هذه الأراضي هي غير شرعية وتشكل انتهاكا واضحا وصريحا وسافرا لكافة القرارات والمواثيق الأممية. وبالتالي يصبح المطلب الكبير من تلك الدولة أن تكف عن جرائمها وانتهاكاتها، وان تحزم حقائبها وترحل عن الأراضي المحتلة. فما الذي يجري إذن...؟!.

- فلماذا يقبل الفلسطينيون والعرب هذا التقزيم للقضية الوطنية الفلسطينية ليهبط المستوى من المطالبة برحيل الاحتلال الكامل الشامل عن الأراضي المحتلة إلى مستوى تجميد الاستعمار الاستيطاني غير الشرعي...؟!.

رغم أن الجميع يعلمون أن هذا الجدل الأميركي الإسرائيلي حول تجميد الاستيطان إنما هو جدل مسرحي وليس حقيقيا، فالموقف الأميركي الحقيقي المحايد أو المنحاز لصالح القرارات والأممية يجب أن يكون واضحا وصريحا:كفى لإسرائيل.كفى للاحتلال.كفى للانتهاكات والحروب والجرائم.كفى للاستيطان.كفى للجوء الفلسطيني.كفى للمعاناة والعذابات الفلسطينية.كفى للقتل والحرق والإبادة الجماعية.كفى لعبودية الاحتلال.كفى لكل هذه التجاوزات السافرة للقرارات والمواثيق والحقوق والقيم الأممية والبشرية. كفى لعبا ومماطلة ومسرحيات، كفى لكل هذه العربدات الإسرائيلية المنفلتة.. عليكم أن تحزموا حقائبكم وترحلوا عن الأراضي المحتلة...!.

يعرب المحلل -المناهض لسياسات الاحتلال- جدعون ليفي في هآرتس- 14 / 8 / 2009 عن خيبة أمله قائلا:بأسف شديد وحزن كبير ينبغي أن نعلن موت الأمل الأخير، فأميركا اوباما لا تقدم البضاعة، لقد أشعلت خطبة القاهرة نصف العالم، وجعل المستوطنات في رأس جدول العمل، ومنح الأمل في أنه يجلس في البيت الأبيض آخر الأمر سائس يدرك أن جذر كل شر هو الاحتلال الإسرائيلي، وجذر كل شر للاحتلال هو المستوطنات، كان يمكن من القاهرة الترقي في السماء وكانت السماء هي الحد، وآنئذ وقعت الإدارة في شرك دفنته لها إسرائيل، وقعت ولا تبدي علامة على الخلاص». ويضيف ليفي: «كان تجميد الاستيطان أمرا هامشيا التزمته إسرائيل في «خريطة الطريق»، فأصبح فجأة هو الأساس، توقعنا من اوباما أكثر من ذلك، فعندما يصبح الموضوع الحقيقي هو تجميد المستوطنات فان الريح العاصفة التي صحبت اوباما قد ذهبت وبدأ السير الكئيب في المكان...!.

فأميركا إذا لم تضغط على إسرائيل فإنها أميركا التي لن تأتي بالسلام».

ونقول: حينما يكون حصاد هذا الإجماع العربي الأميركي الأوروبي على ضرورة الاممي مطالبة إسرائيل بتجميد الاستيطان هو»فترة انتظار»، وحينما يهبط سقف الإدارة الأميركية الاوبامية الحالية إلى مستوى المطالبة بتجميد الاستيطان والدخول في اللعبة الإسرائيلية حول ذلك، فانه يغدو من المطلوب والملح والعاجل فلسطينيا وعربيا مراجعة المواقف والسياسات والسقوف وإعادة ترتيب الأولويات والخطابات والمطالبات...!.

وإلا فلن تقود كل هذه العملية العبثية المستندة إلى «فترة انتظار «إسرائيلية، إلى أي تطور جدي وحقيقي يؤشر إلى تغيير جدي في السياسة والمواقف الإسرائيلية...!.

بل ويكون الجميع يلعبون اللعبة الإسرائيلية في كسب الوقت وبناء المزيد والمزيد من حقائق الأمر الواقع على ارض القدس والضفة، والتي ربما لن تفلح بلدوزرات العالم في اقتلاعها لاحقا...!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com