الانتماء الطائفي أو القبلي هو انتماء اثني درجت عليه الشعوب عبر تاريخها، ويكون لدى البعض انتماء أولي والبعض الآخر انتماء ثانوي وطرف ثالث ليس لديه انتماء طائفي أو قبلي وقد يكون الانتماء طائفياً وقبلياً بحكم الارتباط الديني والاجتماعي تاريخياً بديانة أو مذهب أو بقبلية، وهذا ليس عيباً بحد ذاته لكن العيب أن يتعصب الفرد للطائفة أو القبيلة. والأفراد والجماعات ترتد إلى الطائفة أو القبيلة عندما يضعف انتماؤها الوطني لأسباب عديدة، مرحلة الصراعات وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، أو مرحلة ضعف الدولة.

إن نوعية الانتماء تعبر عن طبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها الجماعات والشعوب، فقد مررنا بمرحلة القبيلة ثم مررنا بمرحلة الإمارة فالدولة المدنية العصرية ولكل مرحلة ظروفها وملابساتها، والتطور التاريخي طبيعي وحتمي حتى لو واجهت هذه الجماعات والشعوب تحولات لم تكن في تصورها أو متوقعة، لكن الأمر المستغرب وربما غير الطبيعي هو أن يرتد الأفراد أو ترتد الجماعات من مرحلة متقدمة إلى مرحلة انتهى عهدها ولم تعد تصلح للحاضر والمستقبل.

إننا في العالم العربي نعيش مرحلة تاريخية غير عادية حيث الارتداد إلى الماضي إلى مرحلة الطائفة والقبيلة اللتين مثلتا واقعاً تاريخياً أصبح جزءاً من الماضي. لا مانع أن يكون للفرد انتماء ثانوي سواء كان قبلياً أو طائفياً أو عائلياً أو غير ذلك لكن مثل هذه الانتماءات لا تقدم بأي حال من الأحوال على الانتماء للوطن بأرضه وحدوده وشعبه وقيمه وقوانينه، فالانتماء للوطن هو الأول والأقوى ثم تأتي الانتماءات الأخرى.

إن الواقع ليس كذلك فالعالم العربي يشهد موجة من الانتماءات القبلية والطائفية في حقيقتها تتقدم على الانتماء للوطن لدى بعض الأفراد والجماعات وأصبحت ظاهرة العصر في بعض دولنا العربية، كما أن تلك الظاهرة قد تم ويتم تسييسها حتى أصبحت عقبة أمام بناء الدولة المدنية الحديثة.

والبعض قد لا يرى آثاراً سلبية لذلك، ويبرر رأيه بأن الواقع هو كذلك. إن إثارة مثل تلك الانتماءات والنعرات وتسييسها أدى إلى النزاع فالصراع فالحروب الأهلية في بعض دولنا العربية، وكانت ولا تزال إشكالية أمام استقرار وتقدم تلك الدول.

وهذا يقودنا لطرح مسألة التعصب التي هي أساس التطرف والإرهاب الذي نعيشه اليوم، فبعض ذلك التعصب وصل مرحلة التطرف فانفجر، وبعضه لم يصله بد ويهدد تلك الدول التي يتواجد ويتفاعل فيها ليمر حتماً بالتطرف إذا لم تعالج الظاهرة من أساسها بالوقوف بوجه التعصب تربوياً وثقافياً.

إن الثقافة السائدة اليوم تساعد على التعصب الذي سيقود إلى التطرف ومن ثم الإرهاب في مقابل ثقافة الاعتراف بالآخر والتسامح، وتغليب لغة الحوار التي تتراجع في عالمنا العربي، أيضاً علينا أن نذكر هنا أيضاً بأن الاختلاف الأيديولوجي والفكري يؤدي إلى التعصب الحزبي وهذا بدوره يقود إلى الصراع، فالخلاف والصراع لدينا مركباً معقداً تراكمياً ولذلك مسألة حل تلك المشكلات ليست سهلة لكن ذلك لا يعني الاستسلام لها فإذا كان ولا يزال يعاني لبنان والسودان والعراق والصومال من تلك المشاكل فهذا لا يعني أن العرب الآخرين بمنأى عن الخطر والوقوع في الفخ.

تمتلئ صحفنا وقنواتنا الفضائية هذه الأيام بأخبار الإرهاب السياسي والديني وحتى الاجتماعي، وهذه ظاهرة العصر علينا كدول ومختصين ومثقفين أن نقف أمامها بالدراسة والتحليل، فالإرهاب ليس جديداً فقد مرَّ بتاريخ البشرية في كل العصور، ولكن الإرهاب الذي تمر فيه بلداننا اليوم مركب ومعقد خارجي داخلي، ديني سياسي، فئوي واثنى، عنيف ومدمر، يحتاج إلى تأمل ودراسة وتحليل ومواجهة.

إن إثارة الثغرات الطائفية، والقبلية وغيرها تمر بثلاث مراحل هي: التعصب والتطرف ومن ثم الإرهاب وذلك يعني أن نبدأ بمواجهة التعصب وهذا لا يكون إلا بالتربية والثقافة، وهذا يعني ضرورة تغيير مناهجنا الدراسية وطريقة تعليمنا وحتى إعادة النظر ببعض القيم السائدة بنقدها أولاً. إن العرب يمرون بمرحلة تاريخية هي مرحلة التفكيك على أساس عرقي وطائفي في كل بلد من بلدانهم بعد أن مروا في مرحلة التحديث ولم يستمروا بها ويطوروها مع الأسف الشديد ومرحلة التفكيك هذه خطيرة لأننا ندفع وسندفع ثمناً باهظاً لها وغير قادرين على إعادة البناء والعودة للحداثة.

والحل لكل ذلك أن نعود إلى عقلنا ورشدنا بالتأكيد على الانتماء للدولة المدنية ونقدمه على الانتماءات الفكرية والطائفية والقبلية وغيرها إذا كنا نريد العيش في سلام وأمن وتنمية وتقدم. فما هي الدولة المدنية وكيفية الانتماء لها؟

الدولة المدنية هي دولة الدستور والقانون، دولة حقوق المواطن وواجباته، الانتماء فيها للوطن أولاً، دولة تذوب فيها الانتماءات الأثنية في وحدة وطنية. ونعلم أنه من الصعب غرس ثقافة الدولة المدنية في عقل أناس تمرسوا في الثقافات الفرعية الطائفية والقبلية ولنبدأ في التعليم العام من المرحلة الابتدائية بقيم تغرس الانتماء للوطن وليس لغيره من الولاءات الثانوية.

كاتب كويتي

dr.tamimimalek@yahoo.com