تستثمر السلطنة في المستقبل بخطى واثقة، وما تم الإعلان عنه أمس الأول من مشروعات جديدة في قطاع الكهرباء والمياه بتكلفة ثلاثة مليارات ريال، يمثل إحدى وجهات الاستثمار المستقبلي والضمان للأجيال القادمة، لاسيما أن قطاع الكهرباء والمياه من القطاعات الحيوية والمركزية التي تقوم عليها دعائم التنمية والصناعة الحديثة في الدولة العصرية.
ويأتي هذا الإعلان مع دفق من المشروعات الأخرى في المجالات النفطية والعمران والسياحة وغيرها من مجالات الحياة الإنسانية، الأمر الذي يقرر بشكل واضح أن سياسة الحكومة تتجه نحو بناء مستقبل راسخ لأجيال الغد، ولا يكون ذلك قطعا إلا عبر التخطيط السليم والتنموي وهو المبدأ الذي انتهجته السلطنة منذ أربعة عقود عندما بزغ فجر النهضة المباركة.
وإذا كنا قد عبرنا المراحل التأسيسة في البنى الاساسية والتعليم والصحة، وما زال هناك الكثير من المشروعات المستقبلية أيضا في هذه المحاور، فإن المراحل ما بعد التأسيسية تقوم على مشروعات أكثر انفتاحا تجاه الاستفادة من منجزات ما تحقق في العقود السابقة من ضخ مالي واحتياطي يوفر الفرص لبناء العديد من الرؤى الاستراتيجية التي تأتي من ضمنها مشروعات المياه والكهرباء.
وتنظر السلطنة في سياستها التخطيطية للمستقبل دائما إلى التنويع والبدائل، لأننا نعيش في عالم متحرك ومتغير بخطى سريعة، وهذا يجعل من الضروري الانتباه إلى ما يمكن إيجاده من بدائل وفرص أخرى ممكنة، وفي هذا الإطار فيما يتعلق بالطاقة التشغيلية للتنمية والصناعة تأتي أهمية توظيف الطاقة الشمسية باعتبارها أحد البدائل المستقبلية الناجحة، من حيث كونها طاقة رخيصة ونظيفة في الوقت نفسه، صديقة للإنسان والبيئة التي يعيش فيها.
وقد كشفت الخطط التي أعلن عنها رئيس الهيئة العامة للكهرباء والمياه أن الهيئة تجري دراسة جدوى اقتصادية لإنشاء محطة مركزية تعمل بالطاقة الشمسية، وبعد الفراغ من الدراسة خلال النصف الأول من العام المقبل وفق ما تم إعلانه، فسوف تكون الرؤية واضحة بخصوص هذا المشروع الحيوي والتنموي المستقبلي.
فالطاقة الشمسية وإذا ما تم الاستفادة منها في بلادنا يمكن أن تمثل مرتكزا مهما من مرتكزات الطاقة التشغيلية في الإنتاج الصناعي وغيرها من حاجيات استغلال الطاقة في الحياة الحديثة.
إن محصلة هذه المشروعات في مجالي الكهرباء والمياه وغيرها من المجالات التنموية الأخرى لتشعرنا بالفخر أننا نوظف الإمكانيات والموارد التي تعمر بها بلادنا، وهذا لم يأت نتيجة صدفة وإنما عبر تخطيط سليم ومدروس وبعد نظر للقيادة الحكيمة التي ركزت دائما في المنطلقات التنموية على الأفق البعيد، بحيث كانت الرؤية غير قاصرة على مجرد الراهن وإنما تتجه إلى ما يمكن أن يحمله المستقبل من تحديات، وهذه إحدى سمات الدولة الحديثة التي تؤمن بالتخطيط الاستراتيجي وتقوم عليه.
وتنظر إلى التنويع في المصادر وتضع الحلول البديلة باعتبار أن المتغيرات واردة في العصر الذي نعيشه، حيث أنه عصر المتحول والتغير السريع والمفاجئ. وقد يرى البعض أن هذه المبالغ التي يتم استثمارها ضخمة، لكن النتائج تدرك عبر الرؤية المتعمقة التي تتجاوز اللحظة حيث أنه بمرور السنوات وعندما يصبح كل شيء ماثلا للعيان سوف نكون قادرين على رؤية المنجز الذي يضاف لما هو قائم من منجزات، وهذا يفتح الأفق لمشروعات جديدة في الصناعات وتحريك عجلة التنمية نحو آفاق غير مسبوقة.
تبقى الحكمة التي نراها جلية فيما وراء هذه الخطط والبرامج والمشروعات أنها تعمل على محورين: محور الإنسان الذي هو الهدف والغاية من أي عمل تنموي كما أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم - أبقاه الله - والمحور الثاني هو محور المستقبل الذي تصب فيه السياسات والأهداف والرؤى. وعندما يعيش الإنسان في المستقبل بمعرفته وعقله يكون قادرا على تجاوز التحديات والاستفادة من فرص الحياة وموارد الأرض ويكون قد ادخر لأبنائه واحفاده الكثير من الثمرات التي سوف تكون ميراثا نيرا تستلهم منه الأجيال كيف أن العمل والجهد والطاقة الإنسانية هي التي تصنع الحياة وتحركها نحو الراسخ من الجديد والأصيل في الوقت نفسه.
