الأسبوع الماضي، جاهدت لكي أحظى بلحظة استرخاء فلم أوفق. كنت موعودا بلقاءات جرى معظمها دون تخطيط، لكنها دفعتني للتساؤل مجددا: لماذا يصر البشر على إظهار أسوأ ما فيهم؟.

كنت قد اتصلت هاتفيا بصديق قديم لكي اطمئن عليه، فإذا به يفتح جراحه في سماعة الهاتف.. انه مريض وغير قادر على الحركة وعندما ذهبت إلى منزله في احد أحياء المنامة العتيقة، كان الذهول مفردة مخففة جدا لما رأيت.

نزل السلالم الضيقة والمتربة لغرفة صغيرة يعيش فيها زحفا وتحادثنا عند الباب، كنت أرى شبح الصديق والزميل القديم الذي كان قبل عقدين يملأ الأماكن صخبا بحركته الدائبة وأحاديثه التي لا تنقطع ومعلوماته الجديدة والدقيقة ومفاجأته أيضا.. لقد كان هذا الشبح الملتحي الواقف أمامي واحدا من ابرع الصحافيين البحرينيين في فترة أواخر السبعينات وحتى أوائل التسعينات لكن ما من قدر أو بشر لطفوا به.

بدأ العمل في الصحافة منذ كان طالبا في جامعة الكويت في سبعينات القرن الماضي بشكل جزئي ولاحقا في صحافة البحرين التي اغترب عنها مبكراً رغماً عنه بقرار غير مكتوب وعمل مراسلا لصحف خليجية وعربية وكان بارعا في عمله. لكنه اليوم مقعد في البيت يعاني الإنكار.

من بين عبارات عدة، علقت في ذهني شكواه من النكران والنسيان من أناس مد لهم يد العون عندما كانوا يحتاجونه. حتى اليوم (في الحقيقة منذ زمن طويل) لم افلح في أن أقنع نفسي أو أواسيه بان النسيان والنكران طبع متأصل في البشر.

في اليوم التالي، كنت أجالس واحدا من ثلاثة متخصصين في الانثروبولوجيا في البحرين يدير مركزا صغيرا للأبحاث والاستشارات. كان حديثه يفيض باليأس والإحباط والشكوى من سوء الحال والتعامل.

بعد يوم من ذلك اللقاء، تلقيت مكالمة هاتفية من زميل صحافي هندي يعيش في البحرين منذ أكثر من 20 عاما.. وكان يشكو أيضا، فهذا الذي أنهكه المرض وتضافر مع أسوأ ما في البشر من طباع، وجد نفسه عاطلا عن العمل لفترة طويلة. لكنه الآن يشكو من أصدقاء له أقرضهم مبالغ من المال ولا يعرف لهم طريقا.

هل ثمة من سيتطوع بالقول أن قصص الثلاثة ليس فيها جديد؟ إن كان جواب مثل هذا يعني التفاصيل فهذا صحيح، لكن لماذا يبدو أسوأ ما في البشر طبيعيا على الدوام؟ لماذا نتقبل أسوأ ما في الناس ونعتاد عليه دون مسعى من أي نوع للحد منه وتأثيره المدمر علينا؟ أليست هذه هي نقطة البدء في السوء الذي يلفنا..؟.

عندما نعتاد على السوء سنصبح أسرى له بالتأكيد، وأكثر ما يضايقنا هنا أن القاسم المشترك في تلك القصص الثلاث وغيرها هو الجانب المظلم في البشر، الجانب الذي يصر الناس على إظهاره عوضا عن الجانب الحسن.

مع صديقنا الصحافي القديم، تضافرت العوامل لتصنع مأساة لا تليق بإنسان مثله، متعلم ومثقف. أي يملك كل الوسائل التي تمكنه من العيش بشكل أفضل حتى في الحد الأدنى، لكن كيف يمكن أن يصل التردي إلى هذا الحد؟ يتعلق الأمر في جزء منه بقدرتنا على مواجهة الضغوط والصدمات.

هنا ستذهلكم التفاصيل إن بحت بها لكنني من موقع العارف أقول أن الضغوط والصدمات التي واجهها صاحبي القديم كانت اكبر من أن يواجهها شخص واحد. لقد تراوحت ما بين الخيبات الشخصية وطموح مهني لم تستوعبه صحيفة أو مؤسسة، تضافرت مع عقاب استمر أكثر مما ينبغي لشخص تم الافتراض بأنه مشاكس أو مشاغب، فوصل إلى حد الحرب في الرزق.

نعم لقد تمت محاربته في رزقه، لكنه كان قد وجد منافذ أخرى للعمل، أي كان يتحايل سعيا للحصول على رزقه، لكن المرارات عندما تستمر أكثر مما يجب وتتضافر من كل نوع، فان القدرة على مقاومة الضغوط ستضعف على مر الزمن. هكذا كان، فكان لابد من مهرب.. الكحول. انه نوع من معاقبة النفس يعرفه النفسانيون جيدا، لكن في المحصلة النهائية نحن أمام سبب وحيد ومباشر: مأساة هذا الإنسان من صنع الآخرين.

أما ذلك المتخصص في الانثروبولوجيا، فلا نحتاج معه إلى تفاصيل إضافية، يكفي ان نتساءل: لدينا 3 متخصصين في الانثروبولوجيا واحدهم يعاني الإحباط ويبدو فاقدا للحيلة.. ماذا نصنع إذن بأصحاب التخصصات من أمثاله؟ انه يبدو فائضا عن الحاجة، وتعالوا الآن لنغرق في تفاصيل لا أول لها ولا آخر عن السبب الذي يجعلنا نترك وراءنا كفاءات مثله أو غيره.

اكتب هذا في مطلع شهر رمضان المبارك، الشهر الذي نتقمص فيه شخصيات أخرى ونبدي الورع والتقوى ونظهر نوازع التراحم في شهر واحد فقط. هل يغير هذا في الأمر شيئاً؟ أن هذه التقوى المبالغ فيها في رمضان تؤكد من جديد فداحة ما نعانيه وما تصنعه أيادينا طيلة العام. كل شيء جائز طيلة العام، أن نظهر أسوأ ما فينا بحق الآخرين، لكن علينا التوقف لشهر واحد وإظهار الورع، هل ثمة تعريف آخر للافتعال أو الانفصام؟.

ربما ظفرنا بعنصر جديد لوصفة السعادة: من لا يستطيع إظهار أحسن ما فيه لن يكون سعيدا.

ترجمة هذا الكلام: الأنانية لا تصنع السعادة.

ترجمة ثانية: كي تحظى بالسعادة امنحها للآخرين.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh