الصراع بين الخير والشر هو القانون الدائم لهذه الحياة الدنيا، وكما الحلال بيِن والحرام بين، فالخير بين والشر بين أيضاً، وكل منا هو الرقيب والأمين على نفسه، فمن انحاز إلى قول وفعل الخير أمن في الدنيا وسلم في الحياة العليا، ومن انحاز إلى قول وفعل الشر دفع الثمن عاجلاً أو آجلاً في الدنيا والعليا معاً.
ومع قدوم شهر الصوم، فليس الصوم عن الطعام والشراب فقط هو الصوم بمعناه الواسع، وإنما الصوم عن كل ما نهي الله عنه من قول أو فعل يدخل في نطاق الشر، الصوم عن ظلم الإنسان لنفسه بظلم غيره فالظلم ظلمات يوم الحساب، والصوم عن الأنانية والكراهية والعنصرية، وعن العدوان على الآمنين وسفك دماء المسلمين وغير المسلمين بغير الحق، والإفطار على كل ما أمر الله به من قول أو فعل يدخل في نطاق الخير.
وليس بالتمنيات وحدها تتحقق المطالب والأهداف، ولكن بالعمل والأمل معاً، وبالسعي والصبر والدعاء، لكننا مع ذلك كثيراً ما نتمنى وقليلاً ما نعمل لتحقيق أمانينا بانتصار الخير وهزيمة الشر في أنفسنا أولاً وفي غيرنا ثانياً وفي عالمنا الإنساني كله أولاً وأخيراً، حتى ينحسر ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وحتى يحب كل إنسان لأخيه الإنسان ما يحبه لنفسه.
وإذ تهل علينا أيام الخير بإشارات وبشارات للخير مع أول أيام شهر الخيرات في فلسطين بتوجيه قوافل الخير من البلاد العربية والإسلامية إلى الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، من الإمارات ومصر والسعودية وقطر وليبيا وغيرها، ومع تحرير الصيادين المساكين المصريين من قبضة الخاطفين المساكين الصوماليين وعودتهم إلى أهليهم وأوطانهم وكلهم ضحايا وكلهم مسلمين!!.
ومع إفراج الحكومة الفلسطينية المقالة في غزة عن عشرات المعتقلين لديها من فتح وغيرها بانتظار رد فتح على التحية بمثلها أو بأحسن منها.. وبعودة المواطن الليبي عبدالباسط المقرحي إلى أهله ووطنه بعد أن دفع الثمن ظلماً في السجون البريطانية لثماني سنوات في قضية جنائية وظفت لتصفية حسابات سياسية بين أميركا والغرب مع الجماهيرية العربية الليبية!.
نتوقع من المسلمين في أي من بلاد المسلمين، أياً كان مذهبهم وعرقهم ولونهم ولسانهم، أن يستقبلوا رمضان بالإعلان عن الصوم عن أي حوار بالسلاح والنار حماية لأنفسهم من النار في داخل أوطانهم مع مكونات شعوبهم أو مع جيرانهم، لأنهم جميعاً يعلمون أنه إذا خرج المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.
مع مقدم شهر الخير نتمنى وندعو الله أن تكون أيامه ولياليه هي أعظم أيام الخير وأكثر أيام انحسار الشر، أيام محبة وسلام، مثلاً أن يكون شهراً تفتح فيه المشروعات الكبرى لمواجهة أزمات البطالة، وتعلن فيه القرارات الكبرى لمحاصرة الفساد ومقاومة مشكلات الإسكان والإيجارات، والتصدي لسعار الغلاء في أسعار الغذاء وتكاليف المعيشة لتخفيف الأعباء عن محدودي الدخل.
شهر يعلن فيه الأغنياء الكرماء عن أوقاف خيرية للتنمية الإنسانية وللرعاية الصحية والتعليمية والتدريبية، وعن مشروعات صناعية وزراعية وتجارية للمحتاجين والفقراء، باعتبار أن ماله من عوائد عالية يجعل من صناعة الخير أعلى أنواع الاستثمار. شهر يعلن فيه في البلاد الإسلامية عن إنشاء صناديق للزكاة والزواج والقرض الحسن، وعن بنوك للفقراء، وعن مدارس ومستشفيات خيرية لغير القادرين في كل البلاد الإسلامية بدعم الخيرين المسلمين من أبنائها.. ففي أيام الخير لا نتوقع من المسلمين في كل مكان إلا كل خير!.