لم يكشف الرئيس الأميركي أوباما شيئاً جديداً من أوراقه فيما يخص مبادرته المنتظرة حول عملية السلام في المنطقة. واكتفي في مناسبة لقائه بالرئيس المصري حسني مبارك بإبداء التفاؤل وتكرار الحديث عن مطالبة جميع الأطراف باتخاذ خطوات ملموسة لإطلاق مفاوضات جديدة، والربط بين إيقاف الاستيطان من جانب إسرائيل والتعبير عن الاستعداد العربي للتعامل الايجابي مع إسرائيل !!.

وربما يكون حذر أوباما ناتجا عن استمرار الحاجة لجهود إضافية لتذليل العقبات، خاصة إن إذاعة تقارير وصفها مساعدوه بأنها مغلوطة عن خططه القادمة أدت إلى تحركات مناوئة له من جانب اللوبي اليهودي وأنصاره في الكونجرس الأميركي. وربما يكون قد أراد أن يعطي الانطباع بأنه يريد أن يسمع من الرئيس المصري خاصة إنه سيكون في الغالب آخر الزعماء العرب الذين يلتقيهم قبل الإعلان عن مبادرته.

وأظن أن الرئيس المصري كان حريصاً علي أن يقول ما عنده خاصة وانه يذهب العاصمة الأميركية في ظل توافق علي إعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية وللأوضاع الإستراتيجية في المنطقة.. من السودان إلى العراق إلى إيران، مع تراجع اهتمام الإدارة الأميركية الجديدة بالقضايا الداخلية في مصر وفي غيرها من دول المنطقة.

وقد كان لافتاً أن الرئيس المصري حرص أن يستبق لقاءه بالرئيس أوباما بتصريحات يبدو أن الهدف منها هو قطع الطريق علي أي ضغط أو مساومات بشأنها خلال المحادثات. فقد أعلن أن أي تطبيع عربي مع إسرائيل لن يكون إلا بعد التوصل للسلام العادل والشامل وليس قبله، وأن تجربة التسعينات التي شهدت مؤتمرات ومحاولات للتعاون الإقليمي بعد مؤتمر مدريد قد انتهت بالفشل التام، وليس من الممكن تكرارها.

ولم يتوقف الأمر (في الملف الفلسطيني) على توضيح الموقف من التطبيع، بل كشف الرئيس المصري أن الإسرائيليين اتصلوا به للحديث عن حل يقوم على دولة فلسطينية بحلول مؤقتة، وانه رفض ذلك تماماً.

كما رفض التركيز فقط على قضية وقف الاستيطان، مطالبا بالدخول فوراً في مفاوضات الحل النهائي مع التوقف بالذات عند «تفاهمات طابا» التي أعقبت مباحثات كامب ديفيد الثانية بين عرفات وباراك، والتي يبدو أن التركيز سيكون عليها في الفترة القادمة عند تناول قضايا الحل النهائي.

والأمر الثاني هو الإشارة إلى نموذج المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية بمعنى الاتفاق علي الحلول النهائية، ثم وضع جداول بالخطوات الجزئية وتوقيتاتها وصولاً إلى التطبيق الكامل للاتفاق خلال المدة المتفق عليها.

الرئيس الأميركي لم يكشف كما قلنا شيئاً من تفاصيل مبادرته المنتظرة. ومع ذلك فالملاحظ أنه كان هناك مناخ من التفاؤل يسود اللقاء المصري ـ الأميركي، ربما لأنه يجيء بعد خمس سنوات من صدام القاهرة مع الإدارة السابقة التي هاجمها الرئيس المصري بضراوة وحملها مسؤولية زيادة انتشار الإرهاب في المنطقة بتدميرها العراق وخوضهاً حرباً خاسرة في أفغانستان وحملة كراهية ضد العرب والمسلمين وانحيازها الكامل لإسرائيل. وربما يكون ما سمعه في الاجتماعات المغلقة من أوباما يعزز تفاؤله بموقف أكثر ايجابية تجاه العرب.

لكن الملاحظ هنا أن الرئيس الأميركي استند إلى تصريح إسرائيلي بأن حكومة نتانياهو لم تتخذ أي قرارات جديدة منذ توليها الحكم بشأن توسيع المستوطنات ليؤكد تفاؤله ويكرر الدعوة للفلسطينيين والعرب بالتحرك الايجابي تجاه إسرائيل.. متجاهلاً أن عمليات البناء لم تتوقف علي الإطلاق في المستوطنات، وأن الأسوأ الآن هو طرد العرب من مساكنهم ( خاصة في القدس ) ليحتلها اليهود تحت سمع العالم وبصره !.

وبعيداً عن التفاؤل والتشاؤم، تبقي الحقائق علي الأرض هي الحاكمة. والحقائق تقول إن أوباما يخوض معركة ضد اللوبي اليهودي ستشتد إذا رأت إسرائيل في مبادرته القادمة ما لا يوافق مطامعها، وستشتد أكثر إذا تراجع موقف أوباما الداخلي بفعل المشاكل الاقتصادية أو تعثر الانسحاب من العراق أو ازدادت الخسائر في أفغانستان. والحقائق تقول إن في إسرائيل حكومة لا يمكن أن تكون شريكة في صنع السلام وأنها ستفعل المستحيل لكي تسد الطريق إليه وأنها لن تدخل مفاوضات الحل النهائي إلا إذا ضمنت إلغاء حق العودة وعدم الالتزام بالانسحاب إلى حدود 67.

.. وتبقى الأسئلة الأساسية كالعادة: هل ما عبر عنه الرئيس مبارك في واشنطن هو مجرد رؤية القاهرة لما يجري أم أنها تعبر عن حد معقول من اتفاق الأطراف العربية في هذه الظروف الدقيقة والحاسمة خاصة إن السعودية وسوريا أيضاً قد أبلغتا واشنطن بأوضح العبارات برفض التطبيع المسبق قبل الحل الشامل الكامل؟.

وهل سنتحرك لإنهاء انقساماتنا بالجدية المطلوبة أم نظل في انتظار مبادرة أوباما أو غيرها من المبادرات بينما العدو الصهيوني ماض في مخططاته؟ وماذا سنفعل إذا جاءت مبادرة أوباما بما لا يمكن قبوله عربياً وما لا يحقق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني؟ وهل سنواجهها بموقف موحد أم نزداد انقساما على انقسام؟ أسئلة كثيرة.. تضيف عليها القاهرة أسئلة أخرى عن الأوضاع الداخلية بعد التصريح الهام الذي أطلقه الرئيس مبارك أثناء هذه الزيارة الأميركية والذي أعلن فيه أن ابنه جمال لم يفاتحه في حكاية التوريث ولم يناقش الأمر معه، وانه مشغول باستكمال برنامجه الانتخابي ولا يفكر في أن يكون ابنه خلفاً له.

وهو كلام قد يعني الكثير على الساحة الداخلية في الفترة القادمة.

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com