بعد أن وفقهم الله لرؤية هلال شهر رمضان يوم أمس يتنسم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها النسمات الروحانية لهذا الشهر الفضيل الذي فضله المولى سبحانه على سائر الشهور، حيث خص الله نفسه في هذا الشهر المبارك بفريضة الصوم كما جاء في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، باعتباره عبادة سرية لا يعلم حقيقة العبد وإخلاصه في هذه الفريضة إلا هو.
ولأن الله قد خص ذاته العلية بهذه الفريضة في هذا الشهر العظيم، فمكافأة وتشجيعًا لعباده الذين تركوا طعامهم وشرابهم وملذاتهم طاعة لخالقهم، أفاض في هذا الشهر من فيوض الرحمات والغفران والخير والجزاء العميم، حيث من أدى فيه خصلة من الخير كان كمن أدى فريضة في غيره، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة في غيره، وأن من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، وجعل الله الجنة ودخولها من باب الريان أعظم جائزة يفوز بها المتسابقون من عباده الصائمين. كما ميز الله هذا الشهر بليلة القدر التي أخفاها في العشر الأواخر كمقياس رباني وامتحان لإيمان الصائم وتقواه وأجزل الله فيها عطاياه.
ويأتي رمضان هذا العام ولا تزال الأمة الإسلامية عامة والعربية بصورة خاصة، بين شمل مبعثر، وصف مفرق، ووحدة مضيَّعة، ومصير ضائع، وحال يسر عدوًّا ويعمق جراح صديق. ولعل القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية وما يتهددها من خطر محدق رغم الانهيار المؤلم في قاعدتها الأساسية المتمثلة في الوحدة الوطنية بسبب الانقسام غير المسبوق بين حركتي فتح وحماس، أبرز الأدلة على حجم الخواء والتمزق اللذين ضربا بأطنابهما العالمين العربي والإسلامي، وكيف أن الفلسطينيين انتصروا لحركاتهم واشتغلوا في إطارها وداروا في فلكها والدفاع عن برامجها ومصالحها، فضاع القاسم المشترك الذي كان يجمعهم وهو تحرير الأرض، أرض فلسطين، وبالتالي ذهبت ريحهم وضاع نضالهم.
ما ترك أثره الوخيم، مُرخيًا سدوله على الأداء العربي برمته فكانت النتيجة فكفكة أي تقارب عربي، وأصبح التعامل مع كل قطر عربي على حدة هو السمة الغالبة، ما جعل هذه الأقطار عرضة لخطر التقسيم والعدوان والتصدع من الداخل، الأمر الذي أدى إلى إفراز تيارات وجماعات أخذت تعتنق فكرًا هدامًا يتعارض مع مبادئ الدين وقيمه كانت حالة الرفض لما يجري من مآسٍ وجرائم يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني أحد الأسباب المباشرة التي أدت إلى تفاقم الوضع العربي والإسلامي المنحدر ما ترتب على ذلك من حصارات وعقوبات ظالمة وحروب واحتلالات، تركت جرحًا غائرًا في مفاصل الوحدة العربية.
ويشكل رمضان الرحمة والغفران فرصة لمراجعة النفس وتنقيتها من دنس المطامع المادية وفرصة لتصفية القلوب والضمائر، وإشباعها بالجوانب الروحانية وبروح الأخوة المؤمنة المحبة للخير، وهو شهر نتمنى أن يستلهم فيه المنقسمون والسياسيون والمثقفون المعاني الجليلة التي خص الله بها شهره الفضيل ليكون عونًا على لمِّ الشمل ووحدة الصف.
ونسأل الله أن لا ينقضي رمضان إلا وقد تحقق للأمتين العربية الإسلامية عزتهما ووحدتهما، وعادت اللحمة الفلسطينية إلى سابق عهدها، واستعاد العراق سيادته واستقراره وأمنه ورخاءه، وكافة البلدان العربية والإسلامية المظلومة أن يزيل عنها البلاء والأعباء ويحفظها.
وفي الختام نسأل المولى جلت قدرته أن يعيد هذا الشهر الفضيل على قائد مسيرة نهضتنا وتاج عزنا وفخارنا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة ويديم السلام والأمن والرخاء لعُمان ولشعبها تحت قيادته الظافرة والحكيمة، ويكتب السلام والأمن للعالم أجمع، إنه سميع مجيب.
