هل العراق حالة فريدة في مكوّنه الاجتماعي والسياسي، وتاريخه الطويل مع الحروب والانقلابات ثم صعود وهج الطائفية، وتوزيعه بين دوائر عربية وإيرانية، وأمريكية، ثم انعدام أمنه عندما تصاعدت في الأيام الأخيرة حالات العنف التي أدت في أسبوع واحد إلى قتل المئات، كمقدمة لحرب أهلية يتجزأ فيها إلى دويلات شمالية وجنوبية ووسطى، وداخلها ينمو صراع الأقليات في المدينة الواحدة ليدخل مرحلة "الصوملة" الجديدة؟

هناك جهاز أمني يتشكل لكن في بنيته تتصارع أطياف الشارع بمعنى أن من يمثل قبيلته أو طائفته وقوميته يصبح ولاؤه لهما قبل اليمين على أداء الواجب بدون تلك الفوارق، وطالما فشلت المظلة العسكرية الأمريكية باعتراف من خططوا وتعاملوا مع واقع العراق، فإن مهمة تأسيس جيش وجهاز أمني بعيداً عن حالات الانقسام والولاءات المتعددة، للمحافظة على الركيزة الوطنية، وإضاءة الطريق لديموقراطية توفر للجميع الحقوق والتساوي بالفرص، والإيمان بعراق واحد، ستكون صعبة ومعقدة..

فالاقتراع سيكون لصالح كل العراقيين في الداخل والخارج، لكن إذا ماعرفنا أن هناك أكثر من أربعة ملايين يعيشون بالملاجئ، ولا يتفقون على قوائم المرشحين ولا يعطون الثقة لمسار الدولة التي لا تزال بعيدة عن تأمين الأمن ومراعاة احتياجات المواطن من مياه وكهرباء، وطرق، ومستشفيات وغيرها، والتي في ظلها أثرت قوى مهيمنة من خلال الفساد الإداري سواء أثناء الهيمنة الأمريكية أو ما بعدها، وتعذر جلب المهجّرين الذين فقدو كل شيء، فإن هذه الأسباب مجتمعة جعلت العراق في مهب العواصف، ولا زال يرتهن لقوى إقليمية لها الدور الأساسي في تحريك أزماته وتفجيرها..

وعند استعراض الماضي، أو ما قبل أربعة أو خمسة عقود، كان العراق هو الأغنى بموارده، والأكثر انتشاراً لمواطنيه في البعثات الخارجية ومواسم السياحة والقارئ الأول في استهلاك الكتاب العربي والأجنبي، والمستقر بين الأنظمة العربية التي خرجت من مرحلة الاستعمار إلى الحكومة الوطنية، ولا زال لديه الثروات والطاقات البشرية، لكنه وسط اللعبة الكبيرة لا يملك تقرير مصيره، وهي الحالة الخطرة التي يتعذر تجاوزها، وما لم تتفق القيادات ورجال الدين والقبيلة، وكل من له تأثير في الداخل والخارج على أن يصوغوا ميثاق وحدة وطنية، يقطع الطريق على العابثين بأمن ومستقبل ووحدة هذا البلد، فإن الأمور ستتجه إلى ما هو أسوأ..

فالأمن مقدّم على كل شيء، والعراق، حتى الآن، لا يتوفر له الجهاز المتطور والمحايد ليكون الركيزة التي يُبنى عليها الاستقرار وعندما تتصاعد الأزمات ويصبح القتل استهدافاً من عناصر وطنية كلّ يدعي حقه باستعمال هذا الأسلوب، فإن الفوضى ستكون شريعة المختلفين..