هل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام وأمامنا في الأمة الإسلامية التي يشكل الوطن العربي قبلتها وقلبها، وهمها وجرحها، ثلاثون يوماً يفترض أن تكون كلها أياماً كريمة لصنع الخير ولدفع الشر عن كل فرد وكل شعب يعاني احتلالا أو استغلالا أو ظلما أو فقرا، في أي مجال من مجالات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية.
يطل علينا هذا الشهر الكريم والأمة الإسلامية والعربية كلها أحوج ما تكون إلى أنواره التي تبدد ظلمة القلوب وظلم العقول،بينما الظلم ظلمات يوم القيامة، وأحوج ما تكون إلى قرآنه الكريم الدستور السماوي الأعلى من كل الدساتير الأرضية، وينبوع الحكمة الإلهية الهادي إلى طريق الحق والعدل والأمن والسلام، ومنبع النور الداعي إلى التوحيد، توحيد الله الحق والعدل والسلام في السماء،و توحيد القلوب والأجزاء للناس والأوطان في الأرض.
إنها أيام للكرم في العطاء والصفاء والنقاء.. أيام للكرم في التكافل والتعاون والمشاركة في الأفراح والمحن.. أيام للكرم في التسامح والتصالح والتراحم، أيام يحرم فيها القتال والاقتتال ويجرم فيها سفك دماء الأبرياء، وتطلب فيها نصرة المظلوم ورد المظالم، وفك الحصار عن المحاصرين والأخوة الحقيقية بين المسلمين قولاً وفعلاً حتى يكون الأمن والأمان، والحب والسلام مظلة للجميع. ولأنه شهر من أكرم الشهور وفيه ليلة واحدة هي أكرم من كل الشهور.
ولأن في أوله رحمة وفي أوسطه مغفرة وفي آخره عتق من النار لمن استطاع استثمار خيره وكرمه، فإن الشعوب الإسلامية تتطلع إلى أمرائها وعلمائها وإعلامها وأعلامها، تنتظر منهم دفع كل ما هو شر وصنع كل ما هو خير، والانتصار لكل ما هو حق وعدل وضد كل ما هو ظلم وظلام.. نتطلع إلى قول وفعل في اتجاه تحريم وتجريم الاقتتال الأهلي والانقسام الوطني والخلاف السياسي والاقتتال المذهبي في أوطان المسلمين..و إلى قول وفعل في اتجاه فرض السلام والوحدة الوطنية والحوار السياسي والمذهبي بهدف أن يكون السلام بدلاً من الاقتتال، والتواصل بالحوار بدلاً من القطيعة،والوحدة بدلا من الفرقة، والأمن بدلا من الخوف، والعمار بدلاً من الدمار.
نتمنى من قيادات الأمة على جميع المستويات المبادرة في الأيام العشرة الأولى من رمضان إلى فتح صفحات جديدة في العلاقات بينهم، وإظهار العفو والتسامح والتصالح في «أيام الرحمة»، وضرب المثل الأعلى لشعوبهم في العفو والتسامح والوصل والتصالح. نتمنى فعلاً حقيقياً في اتجاه مصالحات وطنية عادلة في فلسطين، والعراق والصومال ولبنان واليمن والجزائر وأفغانستان والسودان، بل وفي كل مكان يدور فيه النزاع أو ينقطع فيه حبل التواصل والحوار، بين عربي وعربي مسلم ومسيحي، وبين مسلم ومسلم، وبين مسلم وعربي.
فلا يجب مثلاً أن تمر أيام الرحمة في الثلث الأول من رمضان دون رحمة ودون تراحم، ودون إفراج عن الأسرى والمعتقلين السياسيين في ديار المسلمين، ودون مبادرات ووساطات لمصالحات عربية وإسلامية لتأكيد أننا حكام ومحكومون عرب أصلاء وأننا مسلمون حقيقيون.نتمنى مثلاً أن يجتمع فرقاء كل بلد بمبادرة حقيقية في أحد الأيام العشرة الأولى من رمضان «أيام الرحمة» حول مائدة للإفطار، والصلاة المشتركة، لتكون فاتحة خير لتصفية النفوس والقلوب وإلهام العقول بحلول للأزمات، ومخارج من المواجهات،، ومداخل للقاءات.
نتمنى مصالحات إنسانية ولقاءات روحية لا سياسية، وصلوات جامعة لا مفرقة في خير شهر من شهور العام، لمن في توافقهم وتصالحهم كل الخير لأنفسهم ولأوطانهم.