في خطابه في براغ، دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى نزع السلاح النووي كليا أو إلى اعتماد ما يعرف «بالخيار صفر» وإقامة عالم خال من كافة أسلحة الدمار الشامل. موضوع نزع السلاح النووي يعود بقوة إلى الأجندة الدولية لجملة من الأسباب يمكن إيجازها كما يلي:
أولا وجود قضايا نووية ساخنة (كوريا الشمالية وإيران) حاملة لتوترات شديدة ولمخاطر حصول سباق تسلح نووي. هذا الوضع يحدث قلقا ويركز الأضواء بشدة على هذه المسألة إلى جانب ازدياد المخاوف من وقوع السلاح النووي بأيد إرهابية. ويطرح أوباما في هذا الصدد مفارقة مثيرة للاهتمام وهي أنه بعد نهاية الحرب الباردة فإن مخاطر حصول حرب نووية عالمية قد تراجعت ولكن خطر حصول هجوم نووي قد ازداد.
ثانيا هنالك تكلفة الدخول في سباق نووي وانعكاسات ذلك على اقتصادات الدول المعنية وما تمثله من أعباء وقيود على التنمية، وثالثا تبقى مخاطر وقوع حوادث من نوع حادث «تشرنوبيل» الذي حصل عام 1986 قائمة مع المخاوف التي تثيرها حوادث من هذا النوع على الأمن البشري، ورابعا تبلور وعي دولي واسع التمثيل والمصادر بمخاطر حصول سباق نووي.
انعكس هذا الوعي في تبلور حملة واسعة لنزع السلاح النووي. من أبرز الأمثلة على ذلك المقالة الدعوة التي وجهتها أربع شخصيات أميركية في مواقع مسؤولية كبيرة سابقا وفي القوة النووية الأعظم حول ضرورة نزع السلاح النووي.
وقد حملت المقالة المشار إليها توقيعات كل من هنري كيسنجير وجورج شولتز ووليام بيري وسام نان وللتذكير فالموقعون هم وزيرا خارجية سابقان ووزير دفاع سابق ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ. كما برز توافق أميركي روسي في القمة التي عقدت بينهما في شهر يوليو لخفض الترسانة النووية.
وللتذكير فإن الحديث عن نزع السلاح النووي لا يطال البتة مسألة النووي المدني التي تعتبر إحدى مصادر الطاقة النظيفة. وللتذكير أيضا بحالة النووي في العالم فهنالك تسع دول في العالم تملك خمسا وعشرين ألف سلاح نووي وهنالك حوالي أربعمئة وأربعين مفاعل نووي في إحدى وثلاثين دولة، وهناك أربعون مفاعل تحت البناء ومائتان وأربعون مشروع بناء مفاعل نووي.
وللتذكير أيضا هنالك أربع معاهدات دولية يفترض أن تنظم وتضبط المسألة النووية أهمها معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدة تخفيض الأسلحة الإستراتيجية ومعاهدة تخفيض الترسانة النووية الإستراتيجية ومعاهدة الحظر الكامل للتجارب النووية. المشكلة ليست في الوضع القانوني الدولي المنظم والمقيد للمسألة النووية ولكن المشكلة تكمن في التطبيق وفي وجود قوى نووية غير موقعة على معاهدة الحظر مثل إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية.
الجديد أن الدعوة هذه المرة تأتي من رئيس القوة النووية العظمى مما يفترض أن تعطيها زخما سياسيا دوليا. ويبدو أن أوباما يحمل قناعات قوية بشأن ما يعرف «بالخيار النووي صفر» وكان «الطالب الجامعي» باراك أوباما قد قدم رؤية حول عالم خال من السلاح في مقالة نشرها عام 1983 في خضم الحرب الباردة.
قد لا يتحقق «خيار الصفر» بتاتا أو قد يتحقق ربما بعد زمن طويل جدا فإستراتيجية نزع السلاح النووي هي بالطبع استراتيجية طويلة الأمد وقد يتحقق هذا الهدف جزئيا عبر تخفيض تدريجي للترسانة النووية لكن المهم هو وضع هذه المسألة على جدول الأعمال العالمي.
وإبقاء الأضواء مسلطة عليها. لكن هنالك خطوات ملموسة يمكن القيام بها لإطلاق دينامية نزع السلاح النووي عشية انعقاد مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 2010: أولا يجب العمل على تحقيق عالمية هذه المعاهدة من خلال دفع الدول غير الموقعة وخاصة النووية منها للانضمام إلى هذه المعاهدة.
دون ذلك سيكون هنالك تكريس قانوني دولي وسياسي لمسألة سياسة الكيل بمكيالين كأن توضع قيود على المنضمين حتى الذي لا يملكون النووي العسكري أو الذين هنالك شك برغبتهم بامتلاك النووي، فيما يترك الآخرون الذين هم خارج المعاهدة أحرارا. استمرار هذا الأمر يضعف شرعية المعاهدة بشكل كبير.
ثانيا: يجب على القوتين النوويتين العظميين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية بشكل خاص إلى جانب القوى الثلاث الأخرى الصين الشعبية وبريطانيا وفرنسا أن تبدأ باتخاذ إجراءات لخفض الترسانة النووية عند كل منها ولو بشكل تدريجي.
فأعضاء النادي النووي الخمسة لديهم التزامات بهذا الخصوص حسب ما لحظته المعاهدة كما أن واشنطن وموسكو تملكان حوالي 95 بالمئة من الأسلحة النووية. فان يبدأ الكبار في نزع السلاح النووي تدريجيا يعطي مصداقية لهذا التوجه الدولي الجديد كما يعطي مصداقية وجدية للمعاهدة في نصوصها وروحها. دون ذلك ستبقى دعوة نزع السلاح النووي بمثابة حلم جميل أو صرخة في فراغ أيا كانت صدقية مشاعر من هم وراءها وتحديدا من أصحاب القرار الدولي الفاعل.
كاتب لبناني
