في الوقت الذي تتصاعد فيه نبرة التحذير من عمليات التدنيس المستمرة والتي تطول المسجد الأقصى، يبقى الانقسام الفلسطيني معضلة كبرى عصية عن الحل نتيجة المواقف المشتتة التي يقذفها الفرقاء الفلسطينيون بين الحين والآخر والذين يعتبرون الطرف الأصيل في حالة الانقسام.
ويصادف اليوم الجمعة الذكرى الأربعين لجريمة إحراق المسجد الأقصى التي نفذها اليهودي المتطرف "مايكل يوهان" بعد تسلله له صبيحة 21/8/1969، حيث أتى الحريق حينها على ما مساحته 1500 متر مربع من أصل 4400 متر هي المساحة الإجمالية للمسجد.
وقد خرجت تحذيرات فلسطينية أمس من تحويل الاحتلال الإسرائيلي أجزاء من الأقصى إلى كنيس يهودي، ودعوات للمسلمين لشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، فلا يزال الاحتلال يفرغ حقده تجاه الأماكن الإسلامية المقدسة والمعالم العربية والفلسطينية، معبِّرًا عن هذا الحقد بوسائل وأساليب شتى تنم عن إمعانه في طمس الهوية الإسلامية والعربية بالتهويد عبر سرطان الاستيطان الذي ما انفكت الحكومة الإسرائيلية اليمينية تسعى بكل جهد ممكن إلى توفير جميع المنشطات لهذا الداء العضال، وتناور لإتاحة أكبر المساحات الفلسطينية التي لم يدنسها الاحتلال بعد لينتشر فيها.
وهو داء أصبح اليوم مُعرقلاً لكل المساعي الدولية بما فيها الأميركية والعربية لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي ووضع نهاية له من شأنها أن تحفظ الحق للجميع، غير أن تناسل العراقيل من الرحم الإسرائيلية ظل رُمحًا ينحر كل تحرك جدي واستحقاق نحو السلام، فأصبح الجميع يدور في حلقة مفرغة، وبقيت بوصلة الجهود ثابتة في اتجاه واحد ألا وهو التطبيع المعبر عنه بمطالب بـ"خطوات جدية، وخطوات حسن نية" يبديها العرب مقابل (تجميد) الاستيطان.
بينما على الأرض يستغل الاحتلال الإسرائيلي عامل الزمن لينقض على ما تبقى من الأرض الفلسطينية، مغيِّرًا الملامح الإسلامية والعربية والفلسطينية والهوية مسحًا وإلغاءً، حيث يتمدد سرطان الاستيطان في القدس المحتلة من جميع اتجاهاتها وما حول المسجد ضاربًا طوقًا ليخنق المسجد الشريف، في حين عمليات الحفر تنخر أساسات المسجد لبناء الهيكل المزعوم مُعرِّضةً المسجد للانهيار، ويتبع الاحتلال الحاقد سياسة التدرج والخطوة خطوة لينال من أساسات المسجد وأبوابه وجدرانه، لأنه يتحسب لأي ردات فعل غاضبة إذا انهار المسجد مرة واحدة، ناهيك عن أنه بدأ بالسيطرة على مفاتيح جميع أبواب الحرم وآخرها باب الناظر أو ما يعرف بباب المجلس، مانعًا دخول المصلين إليه وخاصة الشباب، بالإضافة إلى الكنس اليهودية التي تحيط بالحرم من كل جانب.
ويظل الانقسام الفلسطيني عاملاً مُوفِّرًا كل الظروف والفرص ـ للأسف ـ لتمرير هذا الحقد والتشويه الإسرائيلي القائم على تغيير الهوية، ومُقدِّمًا خدمات كبرى للاحتلال ليمضي قُدمًا في سياسته، ومع إدراك المنقسمين في حركتي فتح وحماس أن إنجاز مهمة المشروع الوطني الفلسطيني بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس لا يمكن أن يتم دون استعادة الوحدة الوطنية، وأنه لا بد من الالتزام بإنجاح كل الجهود المبذولة للمصالحة الفلسطينية ..
وضرورة تذليل العقبات والملفات العالقة، إلا أن غبار التراشق بين الحركتين هو الطاغي على كل مثل هذه الكلمات والمقدمات الجميلة التي يتفوه بها قيادات الحركتين، فباتت الجلسة الأخيرة من الحوار الوطني متأرجحة بين التأجيل والفشل الذي لا أحد يتمناه أبدًا.
إن إنقاذ المسجد الأقصى وسائر الأراضي الفلسطينية من التهويد وتطهيرها من دنس الاحتلال، بل إنقاذ القضية الفلسطينية برمتها لن يكون إلا بالوحدة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام والتناحر بكل أنواعه، وغير ذلك فإنه يعني أن بوصلة الاحتلال الإسرائيلي لن تثبت على اتجاه المطالبة بالتطبيع فقط
