الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو يرى أنه ليس من حق روسيا ولا أية جهة أخرى أن ترفض انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي أو لأية جهة تريدها، والحقيقة أن ما يقوله يوشينكو صحيح نسبياً، ولكن السؤال الأهم هو: هل انضمام أوكرانيا لحلف الناتو يسبب أضراراً لروسيا؟

كما نعلم أن حلف الناتو تأسس منذ البداية في أواخر أربعينات القرن الماضي على أيديولوجية واستراتيجية واضحة ومعروفة للجميع، وهي حماية أوروبا والغرب من المد الشيوعي القادم من الاتحاد السوفييتي، وكان من المفترض بعد أن زال هذا الخطر الكبير أن يتفكك حلف شمال الأطلسي، أو على الأقل يقلص من حجم نشاطاته، خاصة مع التغييرات التي حدثت في الساحة السوفييتية.

ولكن الذي حدث هو أن الحلف الذي كان يخشى تماماً التحرش بروسيا أو الاقتراب منها في زمن الحرب الباردة قرر أن يوسع رقعته بالتحديد تجاه روسيا، وأعلن عن فتح باب عضويته للدول الخارجة من المعسكر الشيوعي وأيضاً لجمهوريات الاتحاد السابق، وذلك رغم إعلان موسكو رفضها القاطع لهذه التوسعات.

حلف الناتو الذي نشأ لحماية أوروبا والولايات المتحدة لم يفكر في التوجه جنوباً لضم دول من أميركا اللاتينية أو من إفريقيا، بل توجه شرقاً تجاه روسيا التي تخلت تماماً عن مفاهيم وإيديولوجيات الحرب الباردة وانفتحت على العالم واتبعت سياسة السوق الحر، ولكن هذا كله لم يشفع لها لدى الذين مازالوا خاضعين لإرث الحرب الباردة من أفكار وسياسات.

واشنطن تتحجج بأن الدول هي التي ترغب في الدخول في حلف الناتو وليس الحلف هو الذي يسعى لذلك، وهذا غير صحيح بالمرة، فقد أجريت استفتاءات شعبية في عدة دول مجاورة أكدت رفض الشعوب الانضمام لحلف الناتو، وفي أوكرانيا وحدها أجري أكثر من استفتاء من أكثر من جهة وفي أوقات مختلفة، كلها جاءت بنتيجة واحدة وهي رفض الغالبية من الشعب الأوكراني انضمام بلاده لحلف الناتو.

عندما يقول الرئيس الأوكراني يوشينكو انه ليس من حق روسيا الاعتراض على دخول أوكرانيا في حلف الناتو، عليه أن يعي جيداً أنه هو كرئيس ليس من حقه الوقوف ضد إرادة شعبه.

وجود حلف الناتو في أراضي أوكرانيا يضر بشكل مباشر بأمن روسيا ومصالحها، وأول هذه الأضرار هو طرد الأسطول البحري الحربي الروسي من قاعدته الرئيسية في ميناء سيفاستوبل في أوكرانيا، ويترتب عليه العديد من المشكلات الأخرى التي تعرفها روسيا جيداً، والشعب الأوكراني يهمه قبل كل شيء علاقاته مع الجارة الكبيرة روسيا وعدم إغضابها، ولا أمل للشعب الأوكراني في أي شيء يأتي من الغرب.

الغرب نفسه لم يعد مقتنعاً بضم الجمهوريات السوفييتية السابقة للحلف، فقد استجدت مصالح كبيرة لدى الأوروبيين تجعلهم يحرصون على عدم إغضاب روسيا، ولهذا فقد استبعد الأوروبيون فكرة ضم أوكراني وجورجيا لحلف الناتو في المستقبل القريب، وحتى واشنطن نفسها لم تعد تعير الأمر اهتماماً كبيراً، بل أن كبار خبرائها الذين كانوا متحمسين من قبل لتوسعات الناتو تجاه روسيا تراجعوا عن رأيهم. ومنهم زيجينو برجينسكي مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي اعترف مؤخراً بأن غالبية الأوكرانيين لا يؤيدون فكرة انضمام بلادهم إلى حلف شمال الأطلسي.

ونصح برجينسكي في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية قيادة الناتو بإقامة علاقات رسمية مع منظمة معاهدة الأمن الجماعي، مشيراً إلى أن روسيا كانت ألمحت في السنوات الأخيرة إلى عدم معارضتها إبرام معاهدة مساواة في المعاملة بين المنظمتين.

إذا لم يعد سوى الرئيس الأوكراني يوشينكو من يريد انضمام أوكرانيا للناتو وذلك لغرض ما في نفسه لا صلة للشعب الأوكراني به.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru