خطر جدي غير اعتيادي بات يهدد مستقبل الأرض والشعب في فلسطين بعد أن أصبح ملحوظاً بشكل ملفت للانتباه، فبعض من قطاعات الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة بدأت تتجه لاتخاذ خيارات الهجرة إلى خارج الوطن الفلسطيني مع استفحال الأزمات اليومية خصوصاً منها الاقتصادية جراء إجراءات الاحتلال، ومعها الأزمات السياسية المتوالية في البيت الفلسطيني الداخلي وعلى مجمل مسارات الحالة السياسية في المنطقة.

هذا الخطر يتأتى الآن، رغم أن مغادرة الوطن الفلسطيني تحت عنوان «الهجرة» يعبر عن خيارات تكاد تكون «مهينة» وذات مغزى سلبي بالنسبة للفلسطينيين، خيارات تُذكرهم بنكبة 1948 وآلامها، وعلى خلفية الانتقام منها ومواجهتها طوروا منذ عام 1967 أسطورة مضادة اسمها «الصمود»، أي التشبث بالأرض الذي يلازم حلم العودة وهو الحلم الذي مازال يدغدغ الوجدان الوطني الفلسطيني ويشكل القاسم المشترك في الإجماع الوطني الفلسطيني.

ووفق معلومات مؤكدة، تشير التقديرات بأن أربعة آلاف فلسطيني يهاجر بالمتوسط من الضفة الغربية سنوياً في السنوات الأخيرة. وحسب معطيات وزارة الخارجية الفلسطينية تم التقدم بـ (15) ألف طلب للهجرة منذ أواسط 2006 للممثليات الدبلوماسية الأجنبية في الضفة الغربية، وتشير المعلومات إلى أن أغلبية المهاجرين من المواطنين الفلسطينيين المسيحيين، ولكنها اتسعت بعد ذلك لتشمل المسلمين منهم وحتى بعض الكوادر في السلطة الوطنية الفلسطينية وبعض المفكرين والتجار ورجال الأعمال، والمثقفين وأصحاب رؤوس الأموال.

إن أسباب التحول في الهجرة المؤقتة (في غالبيتها) يتم لاعتبارات عديدة يقع على رأسها العمل من أجل تحسين الوضع المادي توفير الدعم المادي للعائلة في فلسطين في ظل الضائقة الاقتصادية التي تتسع كل يوم في فلسطين، واتساع ظاهرة البطالة والفقر، إذ تشير الأرقام عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، المستقاة من تقارير ووثائق لمنظمات دولية وكذلك مكتب الإحصاء الفلسطيني ان (43%) من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة يعانون غياب الأمن الغذائي، وثلثي العائلات في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت خط الفقر.

فضلاً عن ذلك علينا ألا ننسى الحصار الإسرائيلي المتواصل وجدار الفصل وسياسات الاحتلال بشكل عام، الأمر الذي يلقي بظلاله الصعبة على المستوى الاجتماعي، والمستوى السياسي المترافق مع المظاهر المأساوية المتوالدة نتيجة التسيب الأمني.

وفقدان الوحدة الوطنية والتمزق الفلسطيني الداخلي. هذا إذا أضفنا القول ان مستوى المساعدات الدولية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خصوصاً الأونروا في تراجع مستمر بينما يتزايد عدد السكان (بمتوالية غير حسابية وتقترب من المتوالية الهندسية) في مجتمع تبلغ نسبة الخصوبة فيه (8,7) وهي نسبة عالية وفق معدلات التزايد السكاني في العالم. وغياب القانون والعدالة والمساواة.

وفي استطلاع الرأي كان قد نظمه مركز الأبحاث في جامعة بير زيت عام 2006 أظهر أن (32%) عبروا عن رغبتهم بالهجرة للأسباب المذكورة أعلاه. وبعد تحليل النتائج تبين أن نسبة الشباب من فئة (20 ? 30) سنة هي الأعلى من حيث الرغبة في الهجرة. وفي استطلاع مشابه أجرته جامعة النجاح في نابلس في يوليو 2007 قال (38%) انهم يريدون الهجرة. وفي استطلاع أجراه مركز أبحاث بيت ساحور برئاسة الدكتور نبيل كوكلي تم الحصول على نتيجة مشابهة.

ومن حسن الحظ أن أغلبية من يغادر فلسطين لا يبيع أملاكه، فالذي يغادر بيت لحم مثلاً يدرك سيعود بعد عدة سنوات لبناء بيت من جديد.

إن الهجرة الفلسطينية نحو القارة الأميركية كانت كلاسيكية قبل النكبة وسنواتها الأولى إلا أنها أصبحت بعد ذلك ضرباً من ضروب الهروب من الالتزام الوطني كما كنا نكرر دوماً في الحركة الوطنية الفلسطينية. فالفلسطينيون قد هاجروا إلى الدول العربية وأوروبا والأميركتين قبيل العام 1948 وبعده بقليل، ففي الولايات المتحدة يقيم (215) ألف فلسطيني.

حيث تعتبر شيكاغو أكبر تجمع لهم، وفي أميركا الجنوبية واللاتينية حيث يعيش (600) ألف فلسطيني، في تشيلي والسلفادور وهندوراس، وقسم منهم وصل إلى مواقع عالية في الدول التي حل فيها، مثلاً أنطونيو ساكا (السقا)، رئيس هندوراس من بيت لحم. في مقاطعة بليز (هندوراس البريطانية) يعتبر سعيد موسى الفلسطيني رئيساً للوزراء.

وفي السلفادور كان هناك رئيس من أصل فلسطيني بعد النكبة كانت جهة الهجرة نحو دول الخليج العربي لكسب الرزق ورفد الأهل في فلسطين ومخيمات الشتات، فكان الفلسطينيون من أوائل الدفعات العربية التي وصلت وساهمت في قطاعات التربية والتعليم وهندسة البترول، فغادر عشرات الآلاف منهم إلى دول الخليج، ونصفهم غادر من دون أبناء العائلة واعتاد القدوم كل بضعة أشهر ليترك من ورائه امرأته حاملاً .

ويعود إلى عمله، فالهجرة المؤقتة للعمل كانت دوماً في صالح دعم صمود الفلسطينيين في الداخل من خلال المردود المالي الذي كان دوماً ينصب نحو فلسطين، لكن يخشى الآن من ظاهرة الهجرة نحو كندا وأستراليا بشكل رئيسي، حيث تلعب المشاريع الجارية في الخفاء دوراً مهماً في دفع فلسطينيي الداخل وفلسطينيي لبنان على وجه التحديد للسعي باتجاه شد الرحال وتسهيل الطريق أمامهم والإقامة الدائمة في البلدين المذكورين.

كاتب فلسطيني ـ دمشق

bdwan60@aloola.sy