إذا قامت دولة مستقلة في الجنوب فإن ذلك سيكون إيذانا بنهاية عهد الحروب بين الجنوب والشمال ليس فقط لانتفاء أسباب الحرب وبواعثها ومبررات إشعالها، وإنما أيضا لاندلاع حرب قبلية واسعة النطاق داخل كيان الدولة الجنوبية الوليدة.

وحتى الآن في ظل نظام الحكم الذاتي تشتعل اشتباكات قبلية دموية حول «من يحكم الجنوب، فالقيادات القبلية في إقليمي الاستوائية وأعالي النيل ترفض «الاستعمار الدينكاوي» المتمثل في احتكار «الحركة الشعبية» التي لا تمثل إلا قبيلة الدينكا وجيشها للمواقع المفتاحية في مؤسسات سلطة الحكم الذاتي.

ومع قيام الدولة المستقلة في الجنوب فإن من المحتم أن يتطور صراع السلطة القبلي إلى وضع بالغ الدموية شبيه بالفتنة القبلية بين التوتسي والهوتو في رواندا وبورندي.

ومعنى ذلك أن دولة الشمال السودانية المستقبلية سوف تتخلص نهائيا من ذلك العبء الأمني المتمثل في «مشكلة الجنوب» وتداعياتها القتالية التدميرية. وهناك وجه إضافي للمسألة الأمنية.الرقعة الجغرافية لجمهورية السودان الحالية (والتي تشمل الجنوب) تحيط بها تسع دول: مصر وليبيا في الشمال.. وإثيوبيا واريتريا في الشرق..

وتشاد وإفريقيا الوسطى في الغرب.. وكينيا واوغندا والكونغو في الجنوب، وإذا وقع الانفصال فإن دولة الشمال سوف تتخلص تلقائيا في العبء الأمني الحدودي المتمثل في كينيا ويوغندا والكونغو مع تقلص الخط الحدودي مع جمهورية إفريقيا الوسطي. هذه الدول الأربع سوف تكون محيطة بدول الجنوب وحدها. والحديث عن الأمن القومي يمتد فبعد الانفصال سوف يكون بوسع الدولة العربية الإسلامية في الشمال التفرغ التام لأزمة دارفور بعد تحررها نهائيا من العبء الأمني الجنوبي.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن دولة الشمال سوف تكون الطرف الرابح دون شك. منذ ما قبل الاستقلال في منتصف الخمسينيات ظل الجنوب عبئا اقتصاديا ثقيلا على الشمال حتى في ظروف اللاحرب، وإذا تخلص الشمال من هذا العبء نهائيا فإنه من المؤكد سوف ينطلق على طريق جديد للتقدم الاقتصادي والاجتماعي بمعدلات تنموية متصاعدة خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الشمال على نقيض الجنوب يتكون من نسيج اثني و«هارموني» اجتماعي متماثل وثروة من المهارات البشرية.

وبعد:

لقد سمعنا قطب «الحرب الشعبية» الجنوبية باقان أموم يعلن أن بوسع البرلمان الجنوبي استباق الاستفتاء بإعلان استقلال الجنوب وقيام الدولة الجنوبية المستقلة كاملة السيادة ولا يسعني إلا أن أتمنى أن يكون تصريحه هذا نابعا من قناعة موضوعية لا من قبل مناورة حزبية فارغة المضمون.