في سابقة هي الأولى في التعامل مع مشكلة القرصنة النابعة من الظروف الصومالية المأساوية السياسية والاقتصادية والأمنية الخارجية والداخلية، تمكن الصيادون المصريون الرهائن في عملية بطولية نادرة من التغلب عل مختطفيهم القراصنة والعودة بسفنهم الصغيرة ورهانهم إلى بلادهم في نهاية دراماتيكية مفرحة ومحزنة في آن معا، لمحنة إنسانية لأربعة وثلاثين صيادا مصريا فقيرا دفعتهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الصعبة حول بحيرة البرلس المصرية إلى البحث عن الرزق في المحيط الهندي قبالة السواحل الصومالية !
وبينما عمت الفرحة عموم الصيادين المصريين من قرية الصيادين في دمياط إلى كفر الشيخ وبورسعيد على البحر الأبيض حتى ميناء الصيادين في الأتكة بالسويس على مدخل البحر الأحمر، كانت الفرحة لا توصف في عزبة البرج قبالة رأس البر في دمياط حيث أبناء وبنات وآباء وأمهات الصيادين العائدين.
وهي الأسر التي بقيت عيونها مبللة بالدموع، وقلوبها مشحونة بالخوف، وظلت على مدى أربعة شهور تعيش على أمل الإفراج عن الصيادين، إما بأن يرق قلب المختطِفين الصوماليين الفقراء لمعاناة المختطَفين المصريين الفقراء مثلهم،، وإما بجمع الفدية التي تفوق قدرة هؤلاء المساكين.
وفي عملية التحرير كان البطل الأول هو المواطن المصري الحاج «حسن خليل» صاحب إحدى السفينتين المختطفتين الذي شعر بمسؤوليته الإنسانية عن عماله، ولم يتحمل أن يبقى حرا وصيادوه أسرى، فحمل كفنه وما استطاع جمعه من فدية مصمما على العودة بهم أو أن يقاسمهم مصيرهم، وتوجه إلى اليمن ومنها إلى الصومال لتنفيذ خطته، وهي إما أن يقبلوا بالفدية الصغيرة بالتفاوض، أو أن يقبل هو بمخاطرة التحرير بالقوة مستعينا بأشقاء صوماليين آخرين من المعارضين للقرصنة، ليدرك في النهاية «أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».
لكن للصورة جانبها الآخر، ففي ظل الحروب الأهلية والتدخلات الدولية والإقليمية على مدى عشرين عاما، غابت عن الصومال حكومة مركزية قوية تفرض سلطتها القانونية، فغاب الأمن وانقسمت أقاليم ومقاطعات الصومال بين أمراء الحرب، وحينما أتيح للصوماليين بارقة أمل في الأمن والوحدة في ظل المحاكم الإسلامية على مدى ستة شهور، جاء التدخل الدولي العسكري ليغزو الصومال ويبدد الأمل بالأمن والوحدة، لتصبح الأراضي والسواحل الصومالية مستباحة وغير آمنة ببوارج الحرب وبسفن الصيد، من كل حدب وصوب.
وحينما لا يكون هناك قانون واحد عادل وحاكم يسود الجميع تصبح الفوضي والقوة والقرصنة هي القانون، ومع إنتشار الفوضي وتشرد اللاجئين والنازحين الصوماليين في الداخل والخارج، انتشر الفقر والجوع وانعدم الأمن والطعام، وبالتالي انتشر ت الجرائم أو الموت جوعا، وعصابات قطع الطرق في البر والقرصنة في البحر.
وأصبحت المأساة الإنسانية الصومالية أكبر كارثة إنسانية عالمية، وأكبر مشكلة أمنية لحركة التجارة العالمية، وبقي هذا البلد العربي الأفريقي المسلم المفتقر للاستقلال والوحدة وللسلام والاستقرار قضية إنسانية وسياسية منسية !
فلا أمن مع الاحتلال وبغياب الاستقلال وبحضور الاستغلال، ولا أمان بغياب السلام والطعام، ولا أمن مع الضعف أو الفقر، ولا استقلال سياسي دون استقلال إقتصادي، ولا استقلال اقتصادي دون أمن اقتصادي واجتماعي وإنساني، ولا أمن لإنسان في الشمال وشقيقه الإنسان جائع أو غير آمن في الجنوب.. المشكلة الحقيقية أن المختطفين الصوماليين والمختطفين المصريين كانوا كلهم ضحايا الفقر، ولا نريد للضحايا أن ينتقموا من الضحايا بدلا من الجناة الحقيقيين!