من منّا لم يشاهد على شاشة التلفزيون منظر الساحر وهو يخرج أرنبا من قبّعته؟.يُخيّل أن الساحر قد خبأ الأرنب في قبعته باستمرار ويُخرجه منها عندما يستدعي «الكار» ذلك.
وبما يشبه السحر يبرز على الساحة السياسية وبالتالي الإعلامية الأوروبية موضوع الاتحاد من أجل المتوسط. وفي كلّ مرّة يتم الحديث عن نجاحات وعن إنجازات تلوح في الأفق المتوسطي كما يقال ويتردد في مختلف وسائل الإعلام وفي تصريحات المسؤولين منذ انعقاد المؤتمر الوزاري الأخير في نهاية شهر يونيو الماضي تحت رعاية الرئاسة الفرنسية ـ المصرية المشتركة حول مشاريع التنمية المستدامة.
يتم التأكيد أولا هنا على النجاح «السياسي» الذي برز في هذا المؤتمر الوزاري والمتمثّل في الاهتمام «الجدّي» الذي أبدته بلدان جنوب البحر المتوسّط، وفي «التصريحات البنّاءة» التي صدرت عن الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي وعن وفد الجامعة العربية وما قرأ فيه بعض المعلّقين الأوروبيين «أملا حقيقيا» في استئناف مفاوضات السلام المعطّلة منذ أشهر عديدة.
لا شك أن قضية السلام في الشرق الأوسط هي احدى العقبات الكبرى،إذا لم تكن العقبة الأكبر، أمام قيام تعاون متوسطي فاعل ومطلوب. وكل ما يقال عن نجاحات في قمم رئاسية أو مؤتمرات وزارية أو لقاءات على مختلف المستويات لن يؤدي إلى أفق استراتيجي «متوسطي» مفتوح طالما أن القضية الفلسطينية لم تجد حلا دائما وعادلا.
وبعد المؤتمر الوزاري السابق لبلدان الاتحاد من أجل المتوسط الذي انعقد يومي 3 و4 نوفمبر 2008 جرى الحديث كثيرا عن نجاحات وآمال كبيرة. ثمّ كانت الحرب الإسرائيلية الظالمة على غزّة في الشهر التالي، واستمرّت حتى بدايات العام الحالي. إنها لم تُلقِ ظلال الشك على تلك النجاحات والآمال فحسب، لكنها هددت وجود مشروع الاتحاد من أجل المتوسط كلّه.
وعلى صخرة غياب الحلّ الشامل والدائم وقبل كل شيء العادل للقضية الفلسطينية تحطّمت جميع صيغ الحوار الأوروبي ـ العربي وفشلت مسيرة برشلونة التي كانت قد بدأت في عام 1995. ولا شيء يسمح بالتفاؤل اليوم فنفس الأسباب ستؤدي حكما إلى نفس النتائج. ولا يمكن ل«تصريحات بنّاءة» أن تشكّل منعطفا حقيقيا في نهج كالذي تغذّيه إيديولوجية نتانياهو.
مع ذلك لا يختلف عاقلان على أهمية وضرورة العمل على تقارب بلدان حوض المتوسط مثلما هو الحال بالنسبة لكل مجموع إقليمي في عصر العولمة، ذلك مهما كانت الصعوبات، بل وبسبب وجود هذه الصعوبات التي تستدعي تضافر الجهود. وينبغي أن يشكّل سياق الأزمة المالية العالمية دافعا في هذا الاتجاه.
المهم هو تحديد الأولويات بدقّة والبدء بالتصدّي لمصادر الفشل الرئيسية وفي مقدمتها العقبة «التاريخية» الكبرى المتمثّلة في القضية الفلسطينية. لكن المشكلة الحقيقية هي أن الأمر هنا يتعلّق بثني التعنّت الإسرائيلي وحيث لا يبدو أن الشركاء الأوروبيين في شمال المتوسط مستعدّون لممارسة أي ضغط في هذا الاتجاه،هذا إذا كانت لديهم أصلا أية رغبة في ذلك.
وفي كل لقاء متوسطي على مختلف المستويات يتم الحديث عن مشاريع تنموية مستقبلية. وقد وصل عدد المشاريع في القمة الوزارية الأخيرة إلى ما يزيد على ال200 مشروع «جاهزة للتنفيذ» في مختلف الميادين من مكافحة التلوّث إلى التنمية العمرانية ومرورا بالنقل وقطاع المياه والطاقة المتجددة وغيرها. حسنا، فهذا يفتح «إذا تحقق» آفاق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل المفقودة إلى حد كبير في حوض البحر المتوسط كلّه.
وفي هذه القمّة الوزارية الأخيرة ظهرت رغبة تعاون الاتحاد الأوروبي أكثر في مشروع الاتحاد من أجل المتوسط بعد المواقف المترددة التي أبداها في البداية خاصة من قبل ألمانيا. لكن هذا التوجّه الأوروبي الجديد يترافق مع مطالبة فرنسا بالتقيّد بـ «خارطة الطريق» التي تمّ تبنّيها أثناء القمّة التأسيسية للاتحاد من أجل المتوسط في باريس في شهر يوليو 2008.
هذا يعني أن باريس قد تجد نفسها بعد عام على «محيط» الاتحاد من أجل المتوسط بعد أن كانت «مركزه»، ذلك عندما تتولّى اسبانيا رئاسة الاتحاد الأوروبي وبالتالي الرئاسة المشتركة للاتحاد من أجل المتوسط. وينبغي أن لا ننسى أن برشلونة هي مقرّ أمانته العامّة.
ما يثير القلق الأكبر ليس من يترأس ماذا ولكن من سيؤمّن مئات المليارات المطلوبة لتحقق المشاريع «المبرمجة» والتي قد لا تتجاوز كونها مجرّد آمال على الورق إذا لم يتم خلق واقع جديد تجد فيه القضيّة الفلسطينية حلا. وإلاّ قد لا يكون أي مشروع متوسطي جامع أكثر من «أرنب في قبعة ساحر»، ينفع في الاستعراض فقط عند الحاجة.
كاتب سوري ـ باريس
