أتابع ما يدور في أميركا هذه الأيام كأنني أشاهد مسرحية شاهدت فصولها من قبل. فما يحدث اليوم لمشروع أوباما للرعاية الصحية حدث من قبل في بداية التسعينات مع رئيس ديمقراطي آخر. ويبدو أن أوباما لم يقرأ جيدا دروس تجربة كلينتون في إصلاح نظام الرعاية الصحية.
ففي هذه الأيام تواجه محاولة أوباما لإصلاح نظام الرعاية الصحية حملة منظمة تقودها مجموعة من أعتى جماعات المصالح المستفيدة من الوضع الحالي لنظام الرعاية الصحية وقوى اليمين بكافة فصائلها داخل الكونغرس وخارجه التي تجد في نجاح أوباما في إصلاح نظام الرعاية الصحية خطرا على مقدرات اليمين لأنه سيخلق قاعدة شعبية هائلة للحزب الديمقراطي لسنوات بل وربما عقود قادمة. وتلك القوى تختلف فيما بينها على الكثير ولكن وحدها هدف واحد هو وأد أي مشروع قانون من شأنه أن يحدث تغييرا معتبرا في نظام الرعاية الصحية.
والحقيقة أن حملة مشابهة كانت قد وقفت ضد كلينتون حين تبنى مشروع قانون لإصلاح نظام الرعاية الصحية في 1993. فبعد أن كان قد تعهد في الحملة الانتخابية بإجراء إصلاح شامل للرعاية الصحية، شكل كلينتون بمجرد توليه الرئاسة فريق عمل عهد إلى زوجته هيلاري برئاسته من أجل صياغة مشروع قانون للرعاية الصحية يعرض على الكونغرس في المئة يوم الأولى لرئاسته.
لكن انعدام خبرة فريق العمل أدت لاستغراق الأمر فترة أطول بكثير وصيغ المشروع في النهاية دون تنسيق كاف مع أعضاء الكونغرس الذين لهم حسابات مختلفة حتى لو انتموا لنفس حزب الرئيس. ويبدو أن أوباما استوعب الدرس جيدا فقرر منذ البداية ألا يكتب مشروع القانون بنفسه. فهو حدد الخطوط العامة العريضة لما يريد أن يحتويه المشروع ثم ترك لأعضاء حزبه في الكونغرس صياغته باللغة التشريعية حتى يكونوا شركاء في المشروع لا منافسين له.
لكن لعل تلك هي الزاوية الوحيدة التي يبدو أن فريق أوباما قد استوعب فيها دروس تجربة كلينتون. فالواضح أن إدارة أوباما لم تدرس جيدا تلك الحملة المنظمة التي شنها خصوم كلينتون داخل الكونغرس وخارجه وأدت في النهاية لقتل مشروع القانون. فالحملة الجارية الآن تشبه بدرجة كبيرة ما حدث مع كلينتون. فالقوى التي تقف وراء تلك الحملة هي نفسها القوى التي وقفت ضد كلينتون ولها الأهداف نفسها.
والتحالف الواسع الذي يقود اليوم المعركة ضد محاولة أوباما لإصلاح الرعاية الصحية يضم إلى جانب جماعات المصالح القوية التي يهمها الإبقاء على الوضع الراهن قوى أيديولوجية تعتبر أن نجاح أوباما في تحقيق إنجاز في مجال الرعاية الصحية معناه القضاء على فرص الحزب الجمهوري لسنوات بل لعقود قادمة لأنه سوف يخلق قاعدة جديدة للحزب من الناخبين الذين سوف يستفيدون من الإصلاح.
فالرئيس روزفلت الذي أحدث تغييرات اجتماعية عميقة طالت حياة الملايين دشن بداية مرحلة ارتبطت فيها قوى كثيرة بالحزب الديمقراطي فصار حزب الأغلبية على مدى أربعين عاما، خصوصا بعد أن ترسخت مقدرات الحزب بفعل التحولات الاجتماعية الأكثر عمقا التي أرساها جونسون «الديمقراطي» بدءا من إنجازات الحقوق المدنية وحتى المشروعات التي عرفت بالمجتمع العظيم.
بل لعله من المهم الإشارة إلى أن أحد الأسباب المهمة التي أدت لطرد الديمقراطيين من مقاعد الأغلبية في التسعينات بعد أربعين عاما كاملة كانت الحملة المنظمة ضد مشروع قانون الرعاية الصحية الذي كان قد تقدم به كلينتون في 1993.
فقد أدت تلك الحملة الشرسة وقتها ليس فقط لقتل المشروع وانما لانهيار شعبية الديمقراطيين فطردهم الناخبون من مقاعد الأغلبية في أول انتخابات تشريعية في 1994. والحملة التي تواجه أوباما اليوم تشبه إلى حد كبير حملة التسعينات فهي تستخدم نفس التكتيكات والمضمون تقريبا بدءا من اتهام الرئيس بأنه يسعى لتحويل أميركا إلى «اشتراكية» في مجال العلاج، ووصولا للسعي لإثارة البلبلة لدى الرأي العام.
وقد أنفقت تلك الحملة حتى الآن ما يزيد على الخمسين مليون دولار في إعلانات تليفزيونية هدفها التأثير على الرأي العام والنخبة السياسية. أما أعضاء الكونغرس الذين يعقدون لقاءات موسعة مع الناخبين في دوائرهم في عطلة أغسطس فيواجهون بمن يحضر تلك الاجتماعات ليصرخ في وجوههم ويقاطعهم مستخدما لغة غاضبة واتهامات شرسة، الأمر الذي صار يشكل حملة منظمة «لإرهاب» أولئك الأعضاء وإثنائهم عن تأييد المشروع كما دعا الناشط الجمهوري ديك موريس صراحة على شبكة فوكس نيوز!.
وتدير قوى اليمين حملة تقوم في الواقع على التغليط المتعمد وخلط الأوراق حيث تنشر على نطاق واسع أخباراً ومعلومات غير صحيحة عن مشروع القانون المقدم. والهدف كما كان في عهد كلينتون هو إثارة ذعر المواطنين وإقناعهم بأن تطبيق المشروع خطر على مصالحهم.
وقد وصل الأمر إلى الزعم بأن المشروع يهدف إلى التخلص من كبار السن عبر خلق لجان تبحث حالاتهم وتحدد من منهم يستحق الموت أو الحرمان من العلاج حتى يموت. والخطير في الأمر أن مثل تلك الادعاءات لا تروج لها جماعات متطرفة أو هامشية فقط وإنما تتبناها رموز معروفة في الحزب الجمهوري مثل سارة بيلين التي قالت ذلك المعنى على موقعها على الفيس بوك بل وعبر عنه عضو الكونغرس الجمهوري المخضرم تشارلز جراسلي!
يبقى السؤال المهم، هل يستوعب الأميركيون أنفسهم الدرس الذي لم تستوعبه إدارة أوباما ويرفضون حملات التضليل الإعلامية؟ بعبارة أخرى، هل يكلف الأميركيون خاطرهم هذه المرة ويقرأون بأنفسهم مشروع القانون بدلا من الاعتماد على الإعلام لفهم الاقتراحات المعروضة أمام الكونغرس؟
كاتبة مصرية