يأتيني السؤال مثقلاً حيناً بشبهة «المؤامرة» وحيناً بلغة «الحيرة» وشباك «الريبة«! لماذا تكتب كثيراً عن دبي؟ أو: ما سر دفاعك المستميت عن دبي؟ يمتلئ صندوق بريدي الإليكتروني بكثير من الأسئلة عن دبي وعن أسباب كتابتي عن دبي، أسئلة كثيرة ـ للأسف ـ تختزل رؤيتي لدبي في سؤال يتكرر بأشكال متعددة لكنه ـ ببساطة ـ ملغم بالشك وسوء الظن. لماذا تكتب عن دبي؟
و أنا هنا أمام إشكالية! هل أتجاهل هذه الأسئلة المشككة تلك التي تختفي عادة وراء أقنعة الأسماء المستعارة أو تلك التي تتبناها «خفافيش» الإنترنت؟ أنا أرحب بأي سؤال، أيا كان، ومهما كان مشككاً في «النوايا» والمقاصد طالما أن صاحبه لا يتوارى خلف أقنعة الأسماء الوهمية.
لسنا ملائكة ومن حق الناس أن تسأل الكاتب ـ مثلي ـ ممن يؤمن بأهمية السؤال. لكن العبد الفقير إلى ربه ـ أنا ـ يكتب باسمه الصريح مرفقاً صورته الحقيقية وكثير من قرائه يعرفون نسبه وأصله وفصله وعمله وهواياته وسفراته، وربما مقر سكنه فيما يختفي كثير ممن يرجمونه بأسئلة فيها سوء ظن وأخرى فيها شتيمة وإهانة وهم يتبرقعون بالاسم المستعار.
أشهد أن البنت البدوية صاحبة البرقع الذي يخفي كل الملامح إلا عينيها الجميلتين أكثر «مرجلة» من أبطال «الإنترنت»، أولئك الذين يمارسون «المرجلة» من خلف حجاب! ولنفترض جدلاً أنني أكثر من مدح دبي أو «أبالغ» في دفاعي عن المنجز في دبي.. ما الذي يغيظ في الأمر؟ أليست دبي، في آخر النهار، إمارة عربية؟ أليس بناة دبي هم أهلنا وربعنا؟
السر في دبي، عندي، أنها باتت اليوم تمثل لألوف من شباب العرب ـ مثلي ـ نقطة ضوء في محيط يلفه الظلام من كل اتجاه! قلتها كثيرا وها أنذا أكررها هنا: دبي، بضخامة المنجز الذي تحقق لها، صارت تجربة نجاح عربية فريدة ربما شكلت لآلاف من شبابنا العربي بادرة أمل في أن يصبح الهم «التنموي» أولى وأكثر إلحاحاً من ألاعيب السياسة ومتاهاتها. أعطني نموذجاً آخر في منطقتنا، غير دبي، صنع في خمس عشرة سنة ما عجزت عن إنجازه دول «كبرى» عبر مئة سنة؟
من هنا تصبح دبي لي وللآلاف مثلي «أنموذجا» تنموياً يستحق التقدير خاصة أن هذا «الأنموذج» أراحنا من استعارة نماذج عالمية ؟ من خارج النسق العربي ؟ للدلالة على أهمية البناء وتغيير المنظومة الإدارية البيروقراطية ومسابقة الزمن ومنافسة الكبار. والشواهد على ذلك كثيرة ومتاحة.
في كل رحلة أطير فيها على طيران الإمارات أشاهد بنفسي منجزاً ضخماً من إنجازات دبي. ما ذا لو بحثنا أكثر في منجزات أخرى مثل «موانئ دبي» و«المدينة الإعلامية» ومصانع «جبل علي«؟ وما ذا لو كتبنا عن مبادرات ثقافية وإنسانية مهمة انطلقت من دبي وهدفها تنمية الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج؟
لدي عشرات الأدلة على أن دبي ـ الأنموذج ـ تستحق أن نكتب عنها بإعجاب وتقدير خاصة في وقت تكالبت فيه بعض «الأصوات» التي لا تريد أن ترى في دبي غير خطأ هنا وآخر هناك، أخطاء تأتي أحياناً ضريبة تدفعها مؤقتاً المشاريع العملاقة حتى يكتمل البناء وتكتمل الصورة الكبرى.
و ما السر في حماسك لدبي؟ هنا سؤال آخر يطرق بريدي من يوم لآخر وكأنني لا أكتب عن غير دبي فيما عشرات من مقالاتي الأخرى ـ وهي متاحة لمن أراد ـ تشهد أني أكتب كثيراً في قضايا متنوعة من أهمها همي الرئيس وهو قضية «التنمية» الإنسانية في عالمنا العربي المثقل بصور شتى من الجهل والتخبط وقلة البصيرة.
قبل خمس سنوات، كنت أمام مفترق طرق (باختياري) وكنت أمام خيارين: إما القبول بـ «الأمر الواقع» أو الاغتراب من جديد. ولأن لي أبا علمني أن الخضوع ل «الأمر الواقع» ليس من شيم أجدادي فكنت أمام خيار صعب: الرحيل من جديد إلى أرض أتاحت لي التفكير الحر وفتحت أبواب جامعاتها وصحفها أمامي بكل التقدير والترحيب ومن دون منة أو استعلاء.
ومن هناك... من نيويورك جاءت فكرة العمل في دبي، هذه المدينة التي تفتح ذراعيها أمام الفكر الجديد وترحب بك إن لبست عقالك أو لبست «ربطة العنق». أفتخر أنني أعيش تجربة دبي بتقدير كبير لحجم المنجز الذي يريد البعض في منطقتنا أن يختزله في مشروع عقاري هنا أو فندق هناك. ولك أن تسأل لماذا تحتضن دبي اليوم أهم المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية وأكبر البنوك الدولية وأضخم المشاريع العقارية؟
قبل مدة تداول «الأشباح»، الذين يمارسون «المرجلة» من وراء حجاب على الإنترنت، نصاً عنونه أحدهم هكذا: «نجم (الحرة) الهتلان...في ذم الأوطان بمدح الجيران» معتبراً إعجابي بتجربة دبي ليس سوى ذم لوطني وأهلي. ومحاولة «الإيقاع» بيني وبين صانع القرار الأعلى في بلدي لعبة سخيفة مارسها بعض رموز النميمة ـ وما أكثرهم ـ مرة بعنوان «الأمركة» وأخرى بتصنيف «العلمنة» واليوم بتهمة جديدة اسمها «حب دبي«! وأمام قناعاتي الأكيدة ؟
وواحدة منها ثقتي في تجربة دبي ـ أقول دائماً لمروجي النميمة، خاصة من أهل البراقع على الإنترنت: إن من يسر إلى الأمام لن يشغل نفسه بالالتفات للوراء.
و مثلما أفتخر بشخصية قيادية في دبي اسمها محمد بن راشد، ذلك الاسم الملهم لشباب أمته، أعتز بتجارب أخرى في المنطقة تستحق منا التقدير والدعم. فما دخلت «أبوظبي» إلا ولاح أمامي اسم الشيخ محمد بن زايد الذي في حضرته سمعت يوماً كلاماً أعده قلادة تكريم وتقدير وما مررت بالبحرين إلا ورأيت لمسات ولي عهدها الشاب وتوقه للتغيير والإصلاح.
وهناك... في الجزء الغربي من بلادي، يستيقظ خالد الفيصل مبكراً وفي ذهنه قائمة طويلة من المشاريع الضخمة وأحلام كبرى نعرف أن خالد الفيصل سيحققها وهو أمير الأفكار العملاقة في محيطنا.
ولأن دبي، مثل حاكمها، تخطط للبعيد ولا تشغل نفسها بسوالف «الشامتين» فقد نجحت أن تفكر كما يفكر الكبار وهي ـ بذلك ـ حقاً تسابق الزمن ومسكونة بهاجس اسمه المستقبل. من هنا استحقت، كما استحق راسم رؤيتها، أن تكون ملهمة المبدعين في المنطقة وخارجها. فإن كان «حماسي» للكتابة عن دبي تهمة فتلك وسام أضعه بكل ثقة فوق عقالي!
كاتب ومستشار إعلامي