تحتوي جامعاتنا على كليات للحقوق، وفيها أعداد كبيرة من الأساتذة والطلبة، وتخرج عدد كبير من المحامين والحقوقيين من أبناء دولنا من جامعات محلية وعربية ودولية، ولبعضهم دور مهم في وضع القوانين والدساتير وتطبيقها. والقانون مهم في حياتنا لتنظيم شؤون الحياة والفصل في الخصومات وحفظ حقوق الناس ذلك عن طريق القضاء الذي يجب أن يكون نزيهاً ومستقلاً.
لقد كانت الشعوب في المجتمعات التقليدية ولا تزال بعضها إلى اليوم تحل مشاكلها عن طريق العرف الاجتماعي تراضياً أو تقاضياً، وأحياناً اللجوء إلى القوة سواء بأخذ الحق من معتدي أو فرض قانون القوة السائد ظلماً وعدواناً، وكانت جماعات وشعوب أو بعضها لا تزال تعتبر النصوص الدينية قانوناً تحتكم إليه.
لقد مضت تلك المرحلة ونعيش العصر بوجود الدولة المدنية التي تعتمد على القانون والدستور لكن حتى هذه الأخيرة تشوب تجربتها الكثير من السلبيات في فهم وتطبيق القانون نحن نعلم مدى حساسية طرح هذا الموضوع لكن القضاء رغم أهميته ليس مقدساً بمعنى أنه يمكن ممارسة نقده موضوعياً فنحن بدون القضاء والقانون سنعيش في فوضى عارمة لكن يجب أن يكون القضاء عادلاً والقانون وتطبيقه منصفاً.
يتحدث بعض القانونيين عن علاقة النص بروح النص، وأحياناً تطبيق يحتمل مراعاة الظروف التي يطبق فيها نص القانون وقد تكون النتيجة إيجابية أو سلبية لأنها تعتمد على تفسير النص ومن ثم تطبيقه على الواقعة مع الأخذ بعين الاعتبار ظروفها وملابساتها. وهذه قد تتضح مما سنوضحه في هذه المقالة. أيضاً هناك مقولة نحاول المقارنة أو المقاربة أو التضاد بين قوة القانون، وقانون القوة، فكيف يحدث ذلك؟
للبحث في مسألة قوة القانون وقانون القوة نطرح مسألة تأثير السلطة والقوى السياسية والأيديولوجية على تطبيق القانون هنا قد يكون القانون جيداً وواضحاً وحاسماً في حسم الخلاف أو الاختلاف في قضايا بعينها وهنا يكون القانون قوياً إذا كان المناخ ملائماً بمعنى إذا كنا نعيش في ظل نظام دستوري وديمقراطي وهناك فصلاً بين السلطات وقضاءً مستقلاً فعلياً.
ويفرض قانون القوة عندما تكون الأوضاع على العكس من ذلك حيث يشوه تطبيق القانون باسم القانون، وتحدث انتهاكات قانونية من خلال ليّ عنق القانون وتدجينه لصالح القوى اجتماعيا وسياسياً، ويحدث الظلم تحت مظلة القانون والقضاء دون أن يتمكن الذي وقع عليه الظلم ليس أن يأخذ حقه بل أيضاً لا يحق له أن يتظلم بحجة تطبيق القانون، والأمثلة في حياتنا كثيرة.
وهل نستطيع منع مؤثرات أصحاب النفوذ والمرتشين من التأثير على أحكام القضاء؟ من الصعب مواجهة ذلك عندما يتدخل المال في هذا الجهاز الحساس، ويدوس بعض القانونيين على ضمائرهم، وهذه تحدث ونسمع عنها في بعض دولنا العربية. وعلينا أن نغوص أكثر من سبر أغوار هذا القطاع الهام في حياتنا في هذه المرحلة التاريخية بإثارة بعض الأسئلة التي قد لا نستطيع الإجابة عنها ومن المفيد التفكير فيها والتحاور مع القارئ بشأنها:
هل هناك رشوة تدفع في بعض المحاكم لتوجه الأحكام باتجاه تخدم مصالح البعض ممن يملكون المال ولا يتورعون في دفعه حفاظاً على حقوق يدعونها أو حفاظاً على سمعة اجتماعية واقتصادية أو سياسية؟ هل تتدخل السلطات في التحقيق، وفي المحاكمات بحكم نفوذها وسلطتها لتجيير قضايا أو تغيير مسارها؟
هل هناك صفقات تتم بين محامي المتهم وخصمه ليستفيد الجميع مادياً وأدبياً أو يخسر طرف دون آخر حتى لو كان المظلوم صاحب الحق؟ هل هناك محامون محترفون همهم وشغلهم استغلال الثغرات في القانون لصالح طرف دون آخر؟
هل يتم التحايل والتلاعب في بعض القضايا بحجة عدم إمكانية إبلاغ المتهم بموعد المحاكمة، وإن هناك محاولات جرت لإبلاغه ولكنه لم يحضر، وفي الحقيقة لم تجر أصلاً أية محاولة لإبلاغه بموعد المحاكمة فيفاجأ بالحكم عليه في قضية دون علمه؟!
هل حدث أن متهماً صدر حكم عليه بأنه مختل عقلياً ويعالج في مستشفى الطب النفسي وهو ليس مريضاً؟ لماذا يطلب المحامي من موكله إنكار التهمة، وقد اعترف المتهم بالتحقيق بجريمته بدون إكراه؟ هل أصحاب النفوذ والأموال الطائلة لديهم محامون محترفون وكبار للدفاع عن قضاياهم ومصالحهم في مواجهة محامين ليسوا كذلك ودائماً ينتصر محامو أولئك الأثرياء؟
هل هناك مبالغة في طلب التعويض عن الضرر حتى يحصل صاحب القضية ومحاموه على ما يريدون من جرم لا يرقى إلى مستوى التعويض المطلوب؟ هل يمكن أن ينقلب المدعي أو الشاهد إلى متهم، والمتهم والجاني إلى أبرياء وهم ليسوا كذلك بفعل تلاعب في مرحلة من مراحل القضية؟
هذه بعض الأسئلة التي ربما محرجة للبعض ولكنها ضرورية تطرح في قضية خطيرة وحساسة كهذه والتي عنوانها هل القضاء لدينا نزيهاً ومستقلاً. ومع طرح هذا الموضوع والأسئلة حوله لا بد من القول بأن المسألة التي نحن بصددها ليست تشكيكاً في القضاء بصورة عامة، ولكن نحن نتحدث باستمرار في أيامنا هذه عن الفساد في بلداننا ويثار السؤال هل وصل ذلك إلى القضاء؟
كما أن بعض الأحكام التي صدرت بحق بعض الناس لم تكن من وجهة نظرهم منصفة، في الوقت نفسه نعلم أن أحكاماً عادلة قد صدرت تدل على نزاهة القضاء في بعض دولنا أو بعض محاكمنا. لا نعرف من سيجيبنا عن هذه الأسئلة ومتى؟
كاتب كويتي
