لم يشهد باقان أموم قطب حزب (الحركة الشعبية) الجنوبية في السودان عن رفاقه السياسيين الجنوبيين السابقين واللاحقين عندما طرح قبل نحو أسبوع انفصال الجنوب السوداني عن الشمال كـ (تهديد) للشماليين. لقد آن الأوان للتعامل مع هذا الطرح بمنهج موضوعي، مما يتطلب بادئ ذي بدء الجهر بتساؤل أساسي: من هو الطرف الرابح ومن هو بالتالي الطرف الخاسر إذا وقع الانفصال فعلا فانقسم السودان الموحد إلى دولتين مستقلتين؟

على مدى ما يقارب 55 عاما منذ استقلال البلاد ظلت الأجيال المتعاقبة من السياسيين الجنوبيين ـ من لدن (بوث ديو) في الخمسينيات عبورا بالضابط جوزيف لاقو الذي أشعل حرب التمرد الأولى وحتى أقطاب الحركة الشعبية في الحاضر يلوحون من حين لآخر بورقة الانفصال في وجه أهل الشمال على نحو ابتزازي وكأن أهل الشمال ـ لا أهل الجنوب ـ هم وحدهم الذين سوف يعانون (كارثة) الانفصال.هذا المفهوم ينبغي أن يصحح والتصحيح ينبغي أن يأتي من الطرف الشمالي.. وعلى نحو موضوعي مبني على الحقائق الجيو-سياسية.

فكرة انفصال الجنوب تحتويها ضمنيا وبصورة رسمية وثيقة اتفاقية نيفاشا للسلام. فالاتفاقية تنص على إتاحة الفرصة لأهل الجنوب لممارسة حقهم في تقرير مصيرهم بالانتصار في استفتاء شعبي للانفصال كأحد خيارين.هذا نص شرعي واجب الاحترام من الجميع. لكنها شرعية ناقصة. فقد كان الإنصاف الكامل يقتضي أن يتاح لأهل الشمال أيضا ممارسة حق تقرير المصير من خلال وثيقة نيفاشا.لماذا؟

قد يسفر استفتاء الجنوب عن تفضيل الجنوبيين لخيار استمرار السودان الموحد.. أي بقاء الوحدة بين الشمال والجنوب، لكن ربما يرفض الشماليون الوحدة إذا أجري استفتاء عام بينهم. لقد بدأت (مشكلة الجنوب) في عام 1955 ـ أي قبل إعلان استقلال السودان ببضعة شهور ـ عندما أشعل ضباط وصف ضباط جنوبيون تمردا دمويا في إقليم الاستوائية بقيادة الملازم أوليفر ألبينو. وسرعان ما انتقلت روح التمرد إلى أنحاء أخرى في الجنوب.

وكانت المحصلة النهائية مقتل مئات من الشماليين بما في ذلك نساء وأطفال. والآن وبعد ما يقارب ستة عقود زمنية لا نزال نعالج (مشكلة الجنوب).

عند توقيع اتفاقية نيفاشا في عام 2005 ظن السودانيون جميعا أن (مشكلة الجنوب) أصبحت في ذمة التاريخ. ولكن سرعان ما أخذ التطبيق على الصعيد العملي يفرز مسلسلا يكاد لا ينتهي من خلافات التفسير.. وذلك على أفق تلوح عليه مؤشرات لا تنبئ إلا بتجدد الحرب.

opinion@albayan.ae