تشكو المنظمات غير الحكومية الأجنبية العاملة في السودان وتحديدًا في إقليم دارفور من تزايد المشاكل الأمنية المتمثلة في عمليات القتل والخطف، ما يعرقل عمليات المساعدة الإنسانية التي تقوم بها هناك، وقد أرغمت هذه المشاكل بعض هذه المنظمات على مغادرة السودان من تلقاء نفسها.

لقد كان من الممكن أن تنعدم الأسباب والدواعي المحفزة والموفرة للبيئة التي تنشط فيها الجماعات الإجرامية في دارفور وتعيق بها عمل هذه المنظمات لو أن حكومات الدول التابعة لها هذه المنظمات اختطت نهجًا سياسيًّا متوازنًا في تعاملها مع الوضع الإنساني في الإقليم يقوم على إرساء مناخات السلام والتوتر، ويعبر بكل صدق وشفافية عن الأبعاد الإنسانية وصدق النوايا الحسنة في التوجهات الغربية القائلة إن الهدف من تدخلها هو وضع حد لما تزعمه من انتهاكات لحقوق الإنسان وتحقيق السلام بين الفصائل السودانية المتمردة والمتناحرة في دارفور..

غير أن الذي حصل على النقيض من الماء إلى الماء، حيث أخذت بسياستها الرعناء تغذي الصراع والتمرد وتدعمهما وطوَّحت بجهود بناء الثقة وأركان السلام والتي تبذلها الحكومة السودانية، فسرعان ما انكشفت حقيقة شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، وبينت أن الأهداف التي تخفيها تحت عباءتها تتجاوز الشأن الإنساني والاستقرار والسلام والتنمية إلى استعمار جديد وبأساليب جديدة تشبه تلك التي رفعتها الولايات المتحدة وبريطانيا تمهيدًا لغزو العراق ونهب ثرواته.

واليوم فكما تصدرت الشعارات المهيئة لغزو العراق عناوين وسائل الإعلام العالمية ومنظمة الأمم المتحدة التي أصدر مجلس أمنها قرارات ظالمة ضد الشعب العراقي وإنشاء لجنة تفتيش دولية، تتصدر قضايا حقوق الإنسان والسلام واتهامات الرئيس السوداني عمر البشير بمزاعم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور عناوين وسائل الإعلام العالمية، وتتصدر جدول أعمال محكمة الجنايات الدولية التي خلعت ثوب النزاهة والقانون والعدل وارتدت ثوب السياسة.

فسارعت إلى إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني، معرقلة بالتالي الجهود التي يقوم بها وحكومته لإحلال السلام في المناطق المضطربة السودانية كإقليم دارفور وجنوب السودان، فضلاً عن العقوبات الأميركية المفروضة عليه، ما فاقم الأحوال الإنسانية السيئة وعطل حركة التنمية التي تعتبر مفتاح الاستقرار والسلام والأمان.

ولم تكتفِ الدول الغربية بتدخلها السافر في الشؤون الداخلية السودانية إلى هذا الحد، وإنما كان الدعم المالي والسياسي والعسكري للفصائل السودانية المتمردة حاضرًا، دللت كل هذه التدخلات فيما بعد على تعاظم الأطماع الغربية في الثروات السودانية من نفط ومياه ومعادن.

إن هذه المنظمات الغربية غير الحكومية العاملة في الأراضي السودانية تحت ستار المساعدة الإنسانية لم تكن بريئة هي الأخرى، ولم يخلُ تواجدها من ممارسات تتعارض ما يتوجب عليها فعله من احترام وأمانة، بالإضافة إلى عدم استبعاد وجود عناصر مندسة بينها تعمل على جمع معلومات وإرسالها إلى الجهات التي لها أطماع في السودان، ولعل ما زعمه بعض المندوبين العامين لهذه المنظمات التي تشكو من المشاكل الأمنية، من أنه لم تقع أي عملية خطف عاملين في المجال الإنساني في دارفور قبل مارس 2008.

وهو العام الذي طرد فيه السودان 13 منظمة غير حكومية دولية ومنع نشاطات ثلاث منظمات سودانية في رد على مذكرة التوقيف الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس عمر البشير، فمثل هذه المزاعم يؤكد عدم براءتها، وكأنها تريد أن تقول إن ما تلقاه من مشاكل أمنية يقف خلفه الحكومة السودانية والمسؤولون السودانيون.

إن السودان بحاجة اليوم إلى أن ترفع القوى الغربية المتكالبة عليه أيديها عنه وتبتعد عن التدخل في شؤونه الداخلية، فإن طريق السلام والاستقرار يمر عبر بوابة التنمية والاستثمار وتوفير فرص عمل والعيش الكريم، لا عبر الحصار والعقوبات والقرارات الظالمة.