تأكيد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن حزبه سيشارك في الحكومة اللبنانية المقبلة، يعتبر على الأرجح أهم ما جاء في الكلمة التي ألقاها مؤخرا بمناسبة ذكرى الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان خلال العام 2006 فهذا التأكيد سيساهم في صياغة الأسس الهامة للمعركة الحقيقية المقبلة التي قد تخوضها إسرائيل مجددا ضد لبنان لكن هذه المرة ككيان موحد، خصوصا وأنها مهّدت لذلك بشكل واضح من خلال تماديها بالتدخّل في الشؤون السيادية لهذا البلد المجاور، ومن دعواتها التهديدية المتكررة لعدم إشراك حزب محلّي، هو حزب الله، في حكومة الوفاق الوطني.
وإذا كان الحزب المذكور قد تلقف بكل شجاعة التهديدات الإسرائيلية الحربية وردّ بمثلها على المرمى المواجه من خلال تأكيده على الاستعداد لخوض المعركة العسكرية بكل تكافؤ وإصرار، فإن الجانب الآخر من الكلام، وخصوصا ما تعلّق بالرغبة الصادقة للمشاركة في الحكم وصنع القرار السياسي، يشكّل جانبا أكبر من الأهمية في معادلة توازن الأداء التي طالما سعى حزب الله لتكريسها في حربه ضد إسرائيل.
وحسنا فعل السيد حسن نصر الله بالتزام هذا البند في خطابه الشعبي، لأنه بدا آنذاك كمن يوجه الرسائل في الاتجاهات المختلفة: نحو الداخل اللبناني أولا، وباتجاه عدوّه الإسرائيلي ثانيا. فهو أكّد للّبنانيين أنه مستمر في انفتاحه على مساعي تحقيق الوفاق الوطني الذي يعتبر رافدا أساسيا في عملية تحصين المقاومة والوطن عموما، لكنه في نفس الوقت أصر على وضع الإسرائيليين خلف حدود تهديداتهم الحربية التي لم تعكس في الواقع سوى مراهقة وحماقة سياسية عند الطبقة الحاكمة حاليا في تل أبيب.
إن هذه اللغة هي مطلوبة حتما من جميع القادة السياسيين في لبنان، في وقت تتكثف فيه الجهود المخلصة لإطلاق مسيرة الوفاق الوطني أو لتأمين ما أصطُلح على تسميته مشروع المشاركة الحقيقية في عملية صنع القرار السياسي الذي تتطلع إليه كافة القوى الفاعلة دون استثناء.
وهي مطلوبة ليس فقط من حزب الله بصفته رأس حربة المقاومة المسلحة في لبنان، بل كذلك من القوى الأخرى على الساحة اللبنانية من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها، حتى لو كان بينها من يملك وجهة نظر مختلفة في ما يخص المقاومة وطريقة أدائها وتحرّكها الميداني على الصعيدين السياسي والعسكري.
ولا شك أن هذا الموضوع سيبقى من المواضيع المشتعلة على الساحة السياسية اللبنانية، باعتبار أن هناك تباينا واضحا وجذريا بين القوى المختلفة حول مسألة السلاح وطريقة استغلاله في العمل السياسي بين وقت وآخر، لكن الواضح في خضم معمعة الصراع أن العمل جاري بشكل حثيث من قبل إسرائيل على تعميم أسس جديدة ؟ قديمة للمعركة، بحيث يصبح لبنان كلّه مشمولا في أتون أي نزاع حربي مقبل.
وأمام هذا الوضع، فإنه قد يكون من المنطقي توجيه الدعوة إلى اللّبنانيين لإيجاد نوع من التعاون الذي يضمن الحصانة السياسية لمشروع المقاومة المدافِعة عن الوطن لا المغامِرة بمصيره وكيانه. ففي ذلك قوة للوطن بأكمله وفخرا لشعبه وقواه الحزبية على اختلاف انتمائها الإيديولوجي، وهي التي طالما تغنّت بتضحياتها الجسام من أجل نصرته ورفعة شأنه.
لكن لكي لا نتوه كثيرا في عالم الأوهام يجب علينا أن نعترف بأن ثمة خلل معيّن يعتري العلاقة القائمة حاليا بين القوى المختلفة في ما يخص هذا المشروع، لأن قسما كبيرا منها يؤمن بأن المقاومة قد ضلّت البوصلة ذات يوم ووجّهت سلاحها إلى المكان غير المناسب. وهم مقتنعون، أو قسم منهم على الأقل، بأن مشروع المقاومة لم يصنع محليا أبدا، بل هو وليد التجاذبات الإقليمية التي حوّلت لبنان إلى ساحة تتقاطع فوقها كافة النزاعات الحربية الدموية، في حين أُغرقت ساحات أخرى بالهدوء الممل والمميت.
وبجميع الأحوال، يجب التعامل مع هذه الانتقادات بموضوعية مجردة من أية حساسيات أو حزازيات ضيّقة. كما يفترض بأركان المقاومة أو من يمثّلوها أن يعملوا على تذليل الهواجس الكثيرة دون اللجوء إلى اللغة القديمة التي قسّمت الشعب بشكل مخيف وسمحت لأبناء البلد الواحد بتخوين بعضهم بعضا. فالمطلوب في هذه المرحلة هو تعزيز تلاحمهم وصيانة مقدرات الوطن الكثيرة، لا المساهمة في أي مشروع يرمي لإحداث التقسيم وإيقاع الفتنة بينهم.
ولا بأس من إعادة طرح ما بات يعرف بالاستراتيجية الدفاعية كمادة للحوار الجدي بين الفرقاء المعنيين، أخذا بعين الاعتبار أن تحقيق التضامن الحقيقي لا يتم إلا من خلال إشراك كافة الحريصين على مستقبل الوطن بأي حوار يهدف لصيانة مصيره وأمنه واستقراره. وبرغم اقتناعنا بأن بعض القوى تتعامل مع مشروع المقاومة بشكل سلبي للغاية انطلاقا من حسابات إيديولوجية متباينة كلّيا، إلا أنها تبقى جزءا أساسيا من النسيج اللبناني الشامل وممثلة لشريحة كبيرة من أبناء هذا المجتمع. وبالتالي فإن مسألة إقناعها بأهمية وحتمية الحالة الدفاعية الشاملة المعتمدة على الانسجام الفريد بين الجيش والمقاومة والشعب، تبقى من المهام الرئيسية الملقاة على عاتق جمهور المقاومة دون غيره.
فمن غيره مؤهل للدفاع عن مبادئ وقيم هذا المشروع، ومن غيره سيتحمل تبعات ومسؤولية أي صراع عسكري قد ينشأ في المستقبل وستنعكس آثاره على الوطن بأسره ؟
لا شك بأن الساحة اللبنانية مقبلة على تحولات في غاية الأهمية في ما يخص عملية بناء الوفاق الوطني وما سيتفرع عنها لاحقا من مشاريع مختلفة قد ينطلق منها الفرقاء لترميم الوطن. وبالتأكيد فإن الدفاع عن مشروع المقاومة أو على الأقل تأمين الحصانة السياسية له سيكون في مقدمة تلك الجهود التي ستبذل، وقد بدأنا نلمس آثارها العملية منذ الآن.
فهل سيتمكن اللبنانيون من تحويل مسألة الدفاع عن المقاومة إلى وعي وطني شامل؟
كاتب لبناني
