يجمع معظم المحللين العرب على أن منطقة المغرب العربي تحولت إلى مسرح حقيقي لنشاط تنظيم القاعدة، يشهد على ذلك العمليات النوعية التي يقوم بها «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي » في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، والذي وسّع نشاطه ليشمل المناطق الممتدة من جنوب موريتانيا إلى السودان، مرورا بالبلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى: مالي والنيجر والتشاد.

وتشهد موريتانيا في الفترة الأخيرة تنامي الهجمات الإرهابية، إذ أعلن «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» عن مقتل رجل أميركي في قلب العاصمة نواكشوط، كان يعمل مديرا لمدرسة، يوم 23يونيو الماضي.

ولما كانت فرنسا تساند بقوة الرئيس الموريتاني الجديد الجنرال محمد عبد العزيز الذي أدى اليمين الدستورية مؤخراً،والذي ينتهج سياسة حازمة في مواجهة تنظيم القاعدة، فقد تعرضت سفارتها في نواكشوط لأول هجوم انتحاري، إذ فجر شاب موريتاني حزامه الناسف على بضعة أمتار من البعثة الدبلوماسية الفرنسية أسفر عن جرح شرطيين فرنسيين من أمن السفارة إضافة إلى امرأة من المارة.

وإذا كانت هذه العملية الانتحارية لم تعلن أية جهة عن مسؤوليتها، فإن التحاليل تذهب إلى الاعتقاد بأن من يقف وراءها هو «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» الذي يعتبر علامة مميزة لتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن.

وكان التنظيم المتمرد الجزائري الذي كان يحمل اسم «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» قد اتخذ قراراً بالالتحاق بتنظيم القاعدة الأم في سنة 2005، تحت الضغط القوي للتحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية والجزائر في إطار مكافحة الإرهاب.وهكذا تحولت «الجماعة السلفية للدعوة والقتال » لتشرعن الوجود العسكري الأميركي في الساحل الإفريقي الذي بات يصور على أنه قاعدة خلفية محتملة لتنظيم القاعدة.

ففي مارس 2004،كان الجنرال تشارلز والد، قائد القوات الأميركية في أوروبا، يؤكد أن عناصر من تنظيم القاعدة يحاولون أن يستقروا في «القسم الشمالي من إفريقيا، في الساحل وفي المغرب.فهم يفتشون عن ملاذ كما في أفغانستان حين كانت حركة «طالبان» تتولى الحكم. إنهم بحاجة إلى مكان مستقر ليتجهزوا ويتنظموا ويجندوا عناصر جديدة».

غير أن تنظيم «الجماعة السلفية للدعوة والقتال القاعدة» في الجزائر أصبح يعيش أزمة حقيقية في سنة 2005، نتيجة عدة عوامل: أولا بسبب انقسامه إلى تيارين، تيار يريد حصر العمليات العسكرية في داخل الأراضي الجزائرية، وتيار يريد توسيع العمليات العسكرية لتشمل البلدان المجاورة.

وقد انتصر التيار الثاني الذي يقوده عبد المالك دوركال « أبو مصعب عبد الودود» الذي أصبح أمير «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» لاحقاً. وثانيا تزايد أعداد«التائبين» الذين تخلوا عن العمل المسلح قصد الاستفادة من سياسة المصالحة الوطنية وتدابير العفو الشامل، التي أقرها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.وثالثا بسبب النجاحات التي حققها الجيش الجزائري في السيطرة على بعض المسالك التقليدية بالمناطق الحدودية مع ليبيا ومالي.

هذه الأسباب مجتمعة جعلت التنظيم يعاني من قله المقاتلين في صفوفه، وجعلت أيضا العديد من قياداته تنقل نشاطها إلى بلدان الساحل جنوب الصحراء، مثل النيجر، وشمال مالي، وموريتانيا، بوصفها منطقة تعاني من التوترات والفلتان الأمني.. إضافة إلى أن الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق أعطت دفعاً قوياً لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، لكي يعيد تحديد أهدافه، لاسيما القيام بعمليات عسكرية نوعية في كل من الجزائر، والمغرب، وتونس، وموريتانيا والنيجر، خلال السنوات الأخيرة الممتدة من 2005 ولغاية 2008.

وفيما استطاعت بلدان مثل المغرب وتونس، أن تحصنا نفسيهما أمنيا، بقيت موريتانيا الحلقة الأضعف. ولهذا السبب بالذات، تعهد الرئيس الموريتاني المنتخب الجنرال محمد ولد عبد العزيز بمكافحة الإرهاب حين قال في أول مؤتمره الصحافي:«سنتصدى له على الصعيد الأمني من خلال تعزيز وسائل الجيش». وأضاف: «سنتصدى له في تربته، وهو يجد تربته في الفقر والبؤس والتخلّف».

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org