الكذب عادة سيئة وجدت مع الإنسان، وتطورت أساليبه وأدواته مع تطور البشرية ومع التقدم الذي حدث في مجالات عديدة تطورت معه قدرات وإمكانيات الإنسان، وكذلك الكذب الذي كبر وتكبر به البعض وأصبحوا يتنافسون من أجله وكأنه إبداع، واتخذوا منه غذاءً ووسيلة لخداع الآخرين، وكادت بسببه تتلاشى المعاني الإنسانية الجميلة.

فلماذا يكذب الإنسان مع أنه يعرف أن ذلك عادة سيئة؟ وهل الكذب ظاهرة أم غريزة ولدت معه؟

قرأت مؤخراً كتاباً حديثاً حول الكذب من تأليف أستاذ في علم الاجتماع، يقسم فيه الكاتب الكذب إلى عدة أنواع منها، الكذب من أجل الضحك والمرح، ثم الكذب الاجتماعي من أجل المجاملة ولحفظ العلاقات الاجتماعية، وأشد أنواع الكذب خطورة هو الكذب السياسي من أجل السيطرة والشهرة وحفظ المناصب، وينتشر كما يقول الكاتب عند أصحاب القوة والنفوذ، وحول هذا النوع يفسر الكاتب أننا نعيش في أكثر القرون تفشياً للكذب في ظل وفرة مصادر المعلومات من التلفزيون إلى الانترنت وصولاً إلى الرسائل الهاتفية.

والتعامل بالكذب أصبحت تجيزه بعض الحكومات التي لا يمكنها الوصول والاستمرار إلا به. ويساندها في ذلك الإعلام الذي تربطه علاقة وثيقة بالسياسة وغالباً ما يكون تابعاً لها، خاصة في الدول النامية، حيث ينتشر الفساد وتطغى المصالح الشخصية، فكلما استقوت سلطة الإنسان كلما تمادى في الكذب.

وقسم الكاتب كذب الحكومات إلى درجات مختلفة، فالحكومات الأوروبية مثلاً والغربية بشكل عام، تكذب على شعوبها أحياناً من أجل المصلحة العامة في اعتقادها، أما الدول النامية فتكذب من أجل مصالحها الشخصية، وهي تعي ذلك، للبقاء أطول فترة ممكنة على الكرسي، ولم يحدث ان كشف كذبها رسمياً أو أعلن عنه، أما الأوروبية والغربية فمهما طال الزمن يكشف كذبها، وأحياناً تضطر للاعتراف بذلك وهي في السلطة.

وطرح الكتاب أمثلة كثيرة على سبيل المثال كذب حكومة جورج بوش بشأن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وكذب توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق معه.

ويضيف الكاتب: لشدة انتشار الكذب واستفحاله في هذا العصر، ففي بعض الدول لكل حكومة أسلوبها في الكذب ولها أفراد أو فريق متخصص، دورهم إعداد الكذب بأسلوب علمي ومعقول، ومن ثم نشره بطريقة يصدقها ويقتنع بها الجميع، ويساندهم في ذلك إعلام النقل والنشر التابع لهم، وهذا هو الأخطر في ظل تغييب بعض الحكومات لإعلام الرأي والموقف.

فالإعلام عامة وجد للكشف عن كذب الحكومات والأفراد وفضح ممارساتهم اللاأخلاقية، لكنه ينقلب في بعض الدول إلى مروج للكذب، خاصة في الدول النامية حيث لا رقيب ولا حسيب. ويأتي بمثال على ذلك طرفة تقول: إن إحدى الدول الأوروبية اخترعت بحيرة لكشف الكذب، فأراد رئيس دولة نامية تجربتها ليثبت للناس صدقه ونزاهته، فنزل إلى البحيرة وما هي إلا دقائق معدودة وبدأ يمشي على سطح الماء أمام دهشة الجميع، وبعدها تبين أنه كان يقف على أكتاف إعلامي، أي الإعلام كان يكذب بدلاً عنه!!

أما الكذب الاجتماعي الذي يمارس بين الأفراد في الحياة اليومية، فيقول الكاتب انه يختلف من مجتمع لآخر، في ظل الرخاء الاقتصادي الذي تعيشه بعض المجتمعات، إذ كلما تحضر المجتمع كلما كثر وانتشر الكذب، وذكر في الكتاب مثالاً عن هذا النوع في التجميل ويقول انه وجد ليفيد من هم في حاجة له، لكنه أصبح في هذا العصر خدعة يمارسها بعض الأطباء، على الأفراد الراغبين بتغيير شكلهم دون سبب، مقنع وغالباً ما يتأذون من ذلك، والمستهدف هي المجتمعات المتحضرة التي تعيش في ظل رغد العيش والرفاهية والرخاء عندها قابلية لتصديق مثل هذه الأكاذيب، أما المجتمعات النامية فلا تمتلك الإمكانيات لذلك، أفرادها منهمكون في البحث عن وسائل لتحسين ظروف معيشتهم.

لكني أعتقد أن الإنسان في هذا القرن يستنشق الكذب بشكل يومي، كما يستنشق الهواء، وما قصة انفلونزا الطيور التي انتشرت في العالم وصرفت عليها المليارات، وفجأة اختفت، ثم موضوع الجمرة الخبيثة الذي ظهر بعد أحداث 11 سبتمبر يكلف الاقتصاد العالمي، كما نشر 15 مليار دولار ثم اختفى لتظهر لنا انفلونزا الخنازير لتضاف إلى لائحة الأكاذيب الممارسة في هذا العصر، أكاذيب تصنع لها أدوية مسبقاً قبل ظهورها!!

يقال ان وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد قام بإنشاء شركة لإنتاج أدوية للعلاج من هذا المرض، إلى جانب شركة أدوية أخرى، ألهذه الدرجة هم عباقرة ليسبقوا العالم بمراحل ويتوقعوا ذلك لأن عندهم لا شيء يترك للصدفة، حتى أكاذيبهم لم تكن أبداً وليدة لها، لكنها تمشي على الكل حتى من لم يصدقها، وبفضلهم قد يتطور الكذب في هذا القرن إلى أكثر من هذا، من يدري وما خفي أعظم!

فنحن نعيش في زمن تتفوق به الأكاذيب على الإبداعات التي أنارت طريق البشرية فيما مضى، زمن الكل يريد فيه السيادة والسيطرة بالكذب!!

sultan654@hotmail.com