عادت قضية «لوكيربي» لتطفو إلى الواجهة الإعلامية والسياسية البريطانية والأميركية من جديد بعد ما ظن الجميع أن ملفها قد أغلق نهائيا، ولتثير الجدل والشكوك مجدداً حول مدى سلامة حكم المحكمة الاسكتلندية في تلك القضية بإدانة عبد الباسط المقراحي وببراءة خليفة فحيمة وهما المواطنان الليبيان اللذان اتهما بتفجير الطائرة في ظل شبهات قضائية بالتدخل السياسي والاستخباري في تلفيق أدلة الاتهام و إحضار شهود زور لم تطمئن المحكمة لشهادتهم!

ففي أوساط الصحافة البريطانية نقاشات وتساؤلات وتباينات في الرؤى حول الشواهد التي ترجح قرب الإفراج عن «المقراحي» قبل أول شهر رمضان، وهو الذي اعتبرته بريطانيا «مدانا» بتفجير الطائرة الأميركية فوق قرية «لوكيربي» عام 88 الذي أسفر عن مقتل 270 راكبا، بينما تعتبره ليبيا «بريئا» استنادا إلى حيثيات حكم الإدانة التي تتناقض مع منطوقه، حيث تنطق الحيثيات بالبراءة بينما ينطق الحكم على الأول بالإدانة وعلى الثاني بالبراءة!!

لكن ليبيا قبلت بتحمل المسئولية المدنية لا الجنائية عن الحادث نيابة عن أحد موظفيها، بتعويض أسر الضحايا بمبلغ مليار ونصف دولار بهدف رفع العقوبات التي ضغطت أميركا وبريطانيا على مجلس الأمن لفرضها على ليبيا واستمرت 10سنوات، لكنها استمرت قضائيا في نقض الحكم.

ومع رواج أنباء ترجيح الإفراج، نشأ خلاف بين الحكومتين البريطانية والأميركية يجري بحثه حاليا، ففيما يشكك محامو أسر الضحايا البريطانيين في صحة إدانة المقراحي، وتتجه بريطانيا إلى الإفراج عنه لأسباب إنسانية «مقابل تنازله عن تقديم استئنافه الثاني»، وبموجب اتفاق تبادل السجناء الذي وقعته مع ليبيا، تعترض أوساط أميركية سواء من أسر الضحايا الأميركيين أو من نواب مجلس الشيوخ وآخرهم «جون ماكين»!

الحكومة البريطانية الآن في مأزق وفي حيرة من أمرها بين التأييد البريطاني القضائي والإنساني والإعلامي للإفراج، والاعتراض الأميركي من جهة، وبين عدم الإفراج وبالتالي قبول الاستئناف الثاني بما يهدد بتبرئة المحكمة للمقراحي وثبوت التلفيق والتزوير على الاستخبارات البريطانية والأميركية وتخطئة القضاء البريطاني!

على صفحات «الاندبندنت» كتب ريتشارد انجرام: سيكون هناك إنكار لإبرام اتفاق من أي نوع مع من يدعي «مفجر لوكيربي» المقرحي، وافق بموجبه على إسقاط الاستئناف الذي كان قد تقدم به مقابل السماح له بالعودة إلى ليبيا.

ويضيف الكاتب أن عدم المضي في إجراءات الاستئناف سيعد بمثابة الفرج في الأوساط الحكومية، ليس فقط بسبب الحقائق التي يمكن أن تكشف بل بسبب الخراب الذي يمكن أن يحدث إذا تم الكشف عن أن المقرحي قد أدين عن طريق الخطأ.. وزير العدل البريطاني يعلم جيدا أن لدينا تقليد قديم ومخجل «في إيقاع العقوبة بالأشخاص الأبرياء»!

صحيفة «التلجراف» كذلك تقول: إن نقل السجناء لا يجوز المضي فيه ما دامت القضية التي حكم بموجبها تنظر أمام المحاكم ولذا سيكون على المقراحي سحب الاستئناف الأخير الذي قدمه ضد الحكم عليه حتى يتمكن من العودة لبلاده. وفي ختام مقالها تنقل التلجراف عن مستشار لأسر ضحايا الطائرة قوله «لا أصدق ولن أصدق أبدا أن هذا الرجل ارتكب حقا الجرائم التي اتهم بارتكابها».

وأخيرا.. من حقنا هنا أن نتساءل، هل يمكن مجرد التفكير في الإفراج عن «المقراحي» لو أن بريطانيا كانت مقتنعة بإدانته حقا، ولو «لأسباب إنسانية»،أم أن الإدانة كانت لأسباب سياسية؟!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com