«شرطة الفكر» هي المؤسسة التجسسية العملاقة التي تتلصص على كافة تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الفرد مستغلة أحدث وسائل التكنولوجيا المتقدة المصممة للرقابة على الفرد على مدار الساعة حتى في داخل غرفة نومه.

هل هذا ما يجري اليوم في بريطانيا العظمى رائدة الديمقراطية الليبرالية الحديثة هذا هو التساؤل الذي يشكل المحور الرئاسي لأعمال الروائي البريطاني المعاصر هنري بورتر.. بينما تنزلق بريطانيا رويدا إلى مستنقع الإرهاب الاجتماعي باسم مكافحة الإرهاب.

روايات بورتر تعيد إلى أذهان عشاق الأدب الإنجليزي بعض رؤى سلفه الراحل جورج أورويل التي تتجسد أكثر ما تتجسد في روايته التي اختار لها عنوان »العام 1948« وهي الرواية التي ابتكر فيها فكرة »شرطة الفكر». كتب أورويل هذه الرواية في عام 1949 بعد أن استبد به خوف بأنه خلال 40 عاما - أي بحلول عام 1984 - ستكون بريطانيا قد تحولت إلى دولة فاشستية.

الآن يستبد هاجس مماثل بأورويل الجديد هنري بورتر يعبر عنه من خلال رواية »الضوء الذاوي« - أحدث أعماله. ومحورها هو أن بريطانيا تتجه صوب الفاشستية لا في خلال 40 عاماً وإنما بعد بضع سنين.

من خلال فصول الرواية يحكي لنا بورتر أن بريطانيا تتحول خلال العقد الزمني المقبل إلى دولة بوليسية وذلك في ضوء ما يجري حالياً من ممارسات الأجهزة الأمنية.

ففي دولة المستقبل القريب البوليسية فإن على نزلاء الفنادق تعبئة استمارات ترسل سراً بواسطة إدارة الفندق إلى السلطات الأمنية. ولا يحق للمواطن البريطاني مغادرة البلاد دون إخطار السلطات.

وأجهزة كمبيوتر متقدمة تلاحق المواطن أينما يكون فتسجل كل تحركاته بما في ذلك مشاوير التسوق وزيارة مستشفى وركوب سيارة أو مغادرتها. والقضاة ومجريات المحاكم تخضع لسيطرة سياسية سرية. ويصبح من المألوف وضع أي مواطن تحت المراقبة بواسطة طائرات من دون طيار أو تعرضه لمداهمات بوليسية.

بالطبع فإن المشاهد التي تحكيها رواية بورتر مستقاة من خيال إبداعي. لكنه خيال مبني على أحوال الواقع القبيح السائد في بريطانيا اليوم. فالحريات الشخصية التي اشتهر بها المجتمع البريطاني يتقلص الآن هامشها يوماً بعد يوم من خلال قوانين تبتكر باسم مكافحة الإرهاب.. من احتجاز دون محاكمة وتعذيب جسدي ونفسي إلخ.

بريطانيا لا تتغير داخلياً فحسب.. بل هي تفقد استقلالها على الصعيد الدولي بحيث باتت وكأنها مجرد ولاية تابعة للولايات المتحدة الأميركية.

opinion@albayan.ae